من يعيد توابيتنا إلى الجنوب؟

علي علي احمد

استعرتُ السؤال من الكاتبة غادة السمان، واكتفيتُ بتحديد المكان. هي سألت يوماً: «من يعيد توابيتنا إلى الوطن؟»، أما أنا، فقد دفعتني هذه الحرب إلى سؤال آخر: من يعيد توابيتنا إلى الجنوب؟
لم أكن أفهم معنى أن يُحرم الإنسان من الحزن على طريقته.
كنا نظن أن الموتى، على الأقل، يملكون حق العودة. وأن الشهيد، إذا سقط بعيداً عن بيته، فإن الأرض تعرف طريقه، والناس يعرفون كيف يحملونه على الأكتاف إلى القرية التي أحبها. لكن هذه الحرب علّمتنا أن حتى هذا الحق البسيط يمكن أن يُنتزع، وأن الوداع نفسه قد يصبح مؤجلاً.
للمرة الأولى، رأينا الشهداء يؤجلون عودتهم الأخيرة. رأينا الجثامين تُحفظ ودائع في انتظار زمن أقل وحشية، وفي انتظار طريق آمن إلى القرى. كأن الموت نفسه صار مهجّراً، وكأن التوابيت هي الأخرى أُجبرت على النزوح.
من يعيد توابيتنا إلى الجنوب؟
من يعيد أبناء القرى إلى الطرقات التي خرجوا منها ذات صباح ولم يعودوا؟ من يعيد النعوش إلى الساحات التي اعتادت استقبال الشهداء بالزغاريد والدموع والورود؟ من يعيد إلى الأمهات تلك اللحظة الأخيرة التي انتظرنها، لا أملاً في استعادة الغائب، بل كي يودّعنه كما يليق بالأمهات؟
أمام عدوٍّ يخاف من المشيعين كما يخاف من المقاتلين، يخاف من الأكتاف التي تحمل نعشاً، ومن العيون التي تبكي شهيداً، ومن القرى حين تجتمع حول وجعها، فتتحول إلى ذاكرة لا تُهزم.
فبقيت التوابيت معلقة بين الغياب والانتظار.
وبقي الجنوب ينتظر أبناءه.
ينتظر الذين خرجوا من بيوتهم على عجل، وحملوا مفاتيحهم معهم على وعد العودة. ينتظر الأطفال الذين تركوا ألعابهم ، والأمهات اللواتي تركن فناجين القهوة على حالها، كأن الغائب قد يطرق الباب في أية لحظة. حتى الأشجار التي بقيت واقفة أمام البيوت المهدمة، بدت كأنها تحرس الغياب، وتحرس أسماء الذين لم يعودوا.
ومن بين كل الأسئلة التي خلفتها هذه الأيام الثقيلة، يبقى سؤال واحد يطاردني كلما نظرت نحو الجنوب:
من يعيد توابيتنا إلى الجنوب؟
ليس لأن الموتى يعودون، بل لأن للأرض حقاً في أبنائها، وللأمهات حقاً في وداعهم، وللقرى حقاً في أن تبكي شهداءها كما اعتادت دائماً.
فما أقسى أن يموت الإنسان بعيداً عن بيته، وما أقسى أن يبقى نعشه هو الآخر بعيداً، ينتظر طريقاً آمناً، وقليلاً من الرحمة.
وكأن الحرب لم تكتفِ بأن تأخذ أبناءنا، بل أرادت أن تترك الفقد مفتوحاً، وأن تجعل الحزن نفسه بلا خاتمة.
ولهذا، كلما نظرت نحو الجنوب، لا يخطر ببالي عدد البيوت المهدمة، ولا عدد الأشجار المحترقة، ولا السنوات التي ستحتاجها القرى كي تشفى.
يخطر ببالي أولئك الابرار الذين ما زالوا ينتظرون عودتهم الأخيرة
وأسمع السؤال نفسه يتردد في داخلي، مثقلاً بكل هذا الغياب:
من يعيد توابيتنا إلى الجنوب؟
علي علي احمد

شاهد أيضاً

فعالية مركزية بمكتب التربية بمحافظة إب اليمنية إحياء لذكرى يوم الولاية ..

تقرير /حميد الطاهري   نظم مكتب التربية والتعليم بمحافظة إب “وسط اليمن”اليوم فعالية خطابية بمناسبة …