بقلم: ناجي علي أمهز
حين تناولتُ في كتاباتي السابقة فكرة “السلام” مع إسرائيل، كنتُ أنطلق من رؤية سياسية استقيتها من مدرسة النخبة المارونية العريقة؛ مفادها أن الحديث عن السلام ليس إلا مناورة تكتيكية لكسب الوقت، وتخفيف الضغط العسكري عن لبنان، وإيجاد مخارج سياسية تعيد الاستقرار المفقود منذ ما قبل “طوفان الأقصى”. لكن أن يتحول هذا الكلام إلى واقع وتحدد مواعيد لانعقاده، فهنا يكمن “الخطر الوجودي” الذي يتهدد الكيان اللبناني، والموارنة على وجه الخصوص.
لقد أدرك أسلافنا من الزعماء اللبنانيين بحدسهم التاريخي وتجربتهم العميقة، أن السلام مع اسرائيل هو نهاية اي شخص يريد ان يشنق نفسه ويلعنه التاريخ، فكانوا يرددون دائماً أن لبنان سيكون “آخر دولة توقع السلام”، لعلمهم أن قادة الكيان الإسرائيلي أنفسهم لا يجرؤون على المضي فيه. وما زالت رصاصة الاغتيال التي استقرت في رأس إسحاق رابين شاهداً حياً على رفض المجتمع الإسرائيلي لهذا المسار، كما أن ياسر عرفات دُفن حياً في حصار مقره قبل أن يُدفن في الأرض بسبب توقيعه “أوسلو”.
وحتى الرئيس أنور السادات، الذي انتصر في حرب 1973 وحشد نخب مصر ومثقفيها لخمس سنوات لتهيئة الرأي العام للسلام، لم يشفع له ذلك؛ فتم اغتياله بعد عامين فقط من “كامب ديفيد”. وبعد نصف قرن من السلام الرسمي، ما زال “التطبيع الشعبي” في مصر مستحيلاً، وما فيلم “السفارة في العمارة” للفنان عادل إمام إلا تجسيد واقعي لزيف هذا السلام وهشاشته.
حتى الاردن المعدوم من مقومات البقاء فلا زرع ولا ماء ولا حتى حدود بحرية، والذي يعيش على المعونات والحماية الامريكية ودعم اللوبي الصهيوني الذي يعمل ليلا نهارا على تامين الاموال للادرن، تجدون واشنطن وتل ابيب تسهران على الاستقرار في الاردن لانهما يعلمان انه مع وفاة ملك الاردن او اي لحظة عدم استقرار يسقط السلام، وسياتي من يعيد خلط الاوراق مرة جديدة في الاردن.
لو عرضت اسرائيل على لبنان 50 مليار دولار سنويا واعماره مقابل الذهاب الى السلام فان لبنان خاسر.
عن أي سلام نتحدث وإسرائيل لم تتوقف لثلاث سنوات عن القتل والتدمير واحتلال أجزاء من أرضنا؟ إن إسرائيل التي تدعي الرغبة في السلام ردت على “قصف إسناد غزة” بدمار هائل طال الجنوب والضاحية والبشر والشجر. لو كانت هناك نية حقيقية للسلام، لكان استقرار الجنوب وعمرانه طيلة 18 عاماً الماضية فرصة للبناء عليها، لكنها اختارت لغة النار والبارود، مما عمق الجراح التي كان اللبنانيون قد بدؤوا بضمادها.
ماذا سيقال لاهالي ضحايا اكثر من 2500 مواطن لبناني بين شهيد وجريح خلال مجرزة قام فيها الاسرائيلي بعشرة دقائق، اقله انتظروا ان يتم دفنهم.
إن السلام الحقيقي يتطلب توافقاً شعبياً عريضاً، وحكومة متماسكة، ووطناً مزدهراً يمتلك مؤسسات تعليمية وطبية رائدة ومناخاً ثقافياً عريضا. لا يمكن الحديث عن سلام في بلد نُهبت ودائعه، ودُمرت مدنه، وانقسم شعبه لدرجة الشتائم المتبادلة على منصات التواصل.
من السذاجة أن يعتقد البعض أن توقيع السلام قد يجلب “جائزة نوبل” بينما هو يناكف المكونات الداخلية (كحزب الله)؛ فالمنطق يفرض أن من يريد السلام الخارجي عليه أولاً أن يهادن ويقنع شريكه في الوطن بأن هذا المسار يصب في مصلحة الجميع، لا أن يفرضه قسراً.
ثم لو اسرائيل مقتنعة واحد بالمائة ان حزب الله سيقبل بالسلام معها، لكانت قلبت لبنان بقرار امريكي اوروبي كما حصل في 1976 وسلمته لحزب الله لتوقع الاتفاق معه، اما البقية وقعت سلام معها ام لم توقع ما تأثيرهم عليها.
إن الذهاب إلى السلام في ظل وجود نحو 270 ألف لاجئ فلسطيني في لبنان، وفي ظل “مليار ونصف” مسلم وعربي يعتبرون القضية الفلسطينية صلب عقيدتهم، هو انتحار سياسي للموارنة. فإذا كان الإسرائيلي نفسه يعيش خلف الجدران الإسمنتية ومنصات الدفاع الصاروخي، ولا ينام إلا ودرعه الواقي وسلاحه بجانبه خوفاً من انتقام من قتل عائلاتهم، فكيف للماروني أن يتحمل فاتورة هذا السلام؟ وصراع من الدماء قارب على مائة عام.
إن أي ماروني يوقع السلام سيجد نفسه في مواجهة مباشرة مع بيئة إقليمية معادية، ولن تنفعه وعود الحماية الأمريكية. وحتى من يظن أن “الشرعية الدولية” ستحميه، فهو واهم.
حتى الشرع في سوريا لا يجرؤ على توقيع السلام او اعلان القبول فيه، لانه يعلم سيصبح مرتدا كافرا بنظر التنظيمات التكفيرية المتشددة التي ولد منها، كما ان اسرائيل اصلا لا تقبل بان ويقع معها سلام شخص من داعش “العقل السياسي اليهودي الصهيوني في العالم” يرفض، (تصوروا صورة اينشتاين بجانب صورة ابو البراء الداغستاني في المحافل الدولية) انهم يضحكون عليهم، وفالتوقيع على اتفاق مع إسرائيل في هذه الظروف سيُنظر إليه كـ “ورقة حكم شرعي” من قبل المجموعات التكفيرية التي ستتسابق لاستهداف من تعتبرهم “كفار”.
ما عجز عن القيام به الشيخ “بيار الجميل” رغم كل الظروف، وما فرّ منه “ملك السياسة” الرئيس “كميل شمعون” (فتى العروبة الأغر) الذي انقلب حتى على البريطانيين لحماية موقعه العربي، لا يمكن لأي شخصية مارونية اليوم أن تغامر بفعله. لقد كان هؤلاء الزعماء “أسياداً” في التراتبية الدولية، ومع ذلك لم يجرؤوا على ارتكاب هذا الخطأ التاريخي.
حتى إسرائيل نفسها التي رفضت السلام مع “حافظ الأسد” القوي، بحجة أن سلاماً يوقعه زعيم علوي لن يكتب له الحياة، لن تقبل بسلام حقيقي مع رئيس ماروني في ظل انقسام وطني حاد، إلا إذا كانت تهدف لتوريط الموارنة في نزاع طويل الأمد مع محيطهم السني والعربي.
إن ذهاب الحكومة اللبنانية للسلام تحت ضغط البارود والنار ليس “سلاماً”، بل هو “بيان استسلام”. إن “سلام الشجعان” يتطلب أولاً: ان تقول اسرائيل لو قصفنا فاننا لن نرد لاننا نريد السلام ليس مع انطلاق رصاصة تدمر لبنان.
1. انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية.
2. وقف شامل لإطلاق النار وإبداء حسن النية تجاه الشعب اللبناني.
3. تقديم مغريات حقيقية ملموسة (كما حدث في وادي عربة وأوسلو) بدلاً من سياسة الإكراه.
لقد كتبتُ سابقاً عن السلام من منظور الاستقرار السياسي والترسيم، لكنني لم أتخيل أن البعض قد يغفل عن هذه النقاط الوجودية والبديهية. السلام ليس صفقة عقارية، بل هو قرار مصيري يحتاج لوحدة وطنية، وإلا فإننا نحمل الموارنة وزر خطأ تاريخي لن ترحمه الأجيال القادمة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
