قصيدة للجنوب الحبيب للشاعر والاعلامي زاهي وهبي.
لم نكتبْ غير هذا النشيد
ورثناهُ عن حروبٍ ومِحِنٍ
أهلُنا العراة
ملَّحوا الأرض بأجسادهم
راقصوا الثعالب والقمر
تاركين نساءهم للبرك
والأنهار.
أمس كانوا هنا
على الضفافِ وفي الأزقة
هم أضاؤوا السَّفحَ بالحنطة، بالمواويل
ونصبوا أشراكا للعاصفة.
لم نعرفهم
لكنَّنا خرجنا من عزم محاريثهم من بقايا صورٍ حفظتها الأعين
كأنَّنا جِئنا مِنْ غيابَهِم أو كأنَّنا بقية قاماتهم.
تحرسُنا أرواح لا نعرفها ورسائلُ.
أمس كانوا هنا
أصواتهم فالتةٌ في البراري تلمعُ في السَّاحات
زيَّنوا سطوحهم بالحنطة،
بالعصافير التي قاسمتهُم مؤونة الشتاء.
لما جرفَ السَّيلُ مواسمهم
أقاموا سدًّا مِن صلواتٍ رفعوا رؤوسهم إلى الأعلى
حينها الله، جميلاً
أطلقَ في حقولهم شمسًا وطيورًا كثيرةً.
فهل كنَّا أشقياءَ حقَّا
حين حطّمنا مصابيحَ الشوارع
غادرنا مراويلَ المدرسة وساعات الاستظهار
مِن دون التفاتةِ إلى الخلف؟
تركنا أسماءَنا المدرسية
بين طيَّات الدفاتر
استبدلناها بألقاب أكثر رجولةً؟
كُنَّا صبيةً بلا آباء
خرجت الغبطة من جيوبنا
سيَّجَتِ النِّساءُ أعمارَنا
بالدُّعاء والخرزِ الأزرق
كُنَّا ندخُّن سرًّا ونعاند اللّٰه
وفي المساءِ نرفرف
حول سراجِ الألفة
كفراشاتِ موتانا
المائلة نحو الغياب
ثم نُصلِّي على سجادةِ أحلامنا وفي ليلات القدر لا ننام.
كنَّا نصحو قبل المآذن
نمسحُ غلسَ القرى عن وجوهنا
ننفض عبق الحواكير
نتعثرٌ بالنُّعاس
نطاردُ زيزان الذهب وجنادب الحيرة
كانت أجملَ من الصبايا فراشاتُ الضوء.
أبناء الرجال الذين ليسوا هنا
مواليد ليلةٍ شباطيةٍ في سنةٍ كبيسةٍ
كنا ننوءُ بكتاب الحساب
نهربُ مِن درس القراءة إلى دهشة اللعب
نرشح تعبًا ولا نتعب
ندوخ حتَّ الظهيرة
ثم نختبئ في تنانير الدوالي.
كنا صبيةً بلا آباء
حبلت أمهاتنا بالمسرّة
طرّزن تواريخ ميلادنا
على كشكَش الأيام
قبل الثلجة الكبرى أو بعد حصاد النور لم نعرفْ أرقام السجل ولا دوائر النفوس
لكننا حفظنا جيداً أبجدية البقاء
مروحة أعمارنا ظلَّتْ تدور .
لمَّا أتى الجندُ فجأةً
كبرنا قبل الأوان
التقطنا الصور التذكارية والأنفاس
ومضينا كلٌّ في سبيلٍ وصلاةٍ.
لمَّا شربت الأرض أرواحنا ارتفعنا شهداء
زغردن يا نساء
زغردن يا نساء
لا وقتَ للدمع
لا وقتَ للبكاء.
زغردنَ يا نساء
هذا أذان الفجر يشطر العتمة نصفَين
يبشِّر المصلين بأنْ أينعت دماء الحسين
وتلك فاطمة
تقطف باقةً من وردٍ ودعاء
ترنو بطرفِها صوب الجنوب
فيطلع قمرٌ كوجهِ محمدٍ
وتبتسم سماء
يرجعُ عاشقٌ من غيبته
وتُزفّ لإله الجرح سناء (1)
إذنْ زغردنَ يا نساء
لا وقتَ للدمع
لا وقتَ للبكاء.
هذي دماؤنا تضيء قناديل المساء
وهذا صلاح الدين يرتدي عباءة نارية
يُسمِّي القُرى بأسمائِها الحُسنى
أو يُسمِّيها (حطين).
طفل المغارة يبكي وحيدًا مريم الحزينة
أو يُرفَعَ للأعلى شهيداً
فتُقرعُ أجراسُ المشرق
وتتدحرجُ صخرةُ الشقاء.
إذنْ زغردن يا نساء
لا وقتَ للدمع
لا وقتَ للبكاء .
وهذه كفّ العباس
نصفع بها وجنةَ التاريخ
نكتب: مِن هنا مرّ الشهداء
وهذا حذاء الدُرَّة (2)
أو حذاء الرضيع في كربلاء
نرفعه عاليًا في وجه الدنيا ونكتبُ في عين الشمس:
«متى بلغ الفطام لنا صبيٌّ
تخرُ له الجبابر ساجدينا (3)»
هذه زينب الصغرى
تنهض من نومها لتشرقَ الشمسُ،
ويعتدلَ الصباحُ
مِنْ ضحكتِها
يمتدُّ قوس فرحٍ وتمطر سماء.
وتلك خديجة تنشر
جدائلها على السطوح
وتنادي بأعلى صوتها، أو بأعلى موتها:
بيَّض اللّٰه وجوهكم
يا أهلي، يا أهل الجنوب
يا بقية اللّٰه في الأرض، يا شهداء
زغردن يا نساء
زغردن يا نساء
زغردن يا نساء.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
