د. غازي مُنير قانصُو*
في ظل التحديات الكبرى التي يجتازها لبنان، لا سيما الحرب العدوانية التي يشنُّها العدو عليه، تتصاعد الخطابات السياسية التي تعكس عمق الأزمة الداخلية وتشابكها مع مسألةِ الصراع مع العدو.
وتأتي التّصريحات السياسية التي أدلى بها سماحة العلامة الشيخ علي الخطيب، نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، البارحة مساءً ليعبّر عن موقف ناقد لأداء السلطة اللبنانية، ومعيدًا طرح سؤال السيادة الوطنبة وأدوات حمايتها.
ولا تقف أهمية هذه المواقف عند حدود الموقف السياسي الحالي، بل تتجاوزه إلى كونها نموذجًا لخطاب حقيقي يكشف عن أزمة ثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المجتمع الأهلي، بحيث تضربُ بعرضِ الحائط للميثاقية الوطنية الدستورية التي بُنِيَت على أساسها الدولة اللبنانية.
أولًا: مضامين المواقف السياسية وأبعادها
تتضمن المواقف السياسية للعلامة الشيخ الخطيب على جملة من الأفكار المحورية، أبرزها؛
رفض نهج المفاوضات المباشرة مع العدو، واعتباره دليلًا على ضعف السلطة وفشلها الدبلوماسي.
تأكيد واضح لدور المقاومة بوصفها خيارًا قادرًا على فرض الحقوق وحماية السيادة.
كما يتضمن الخطاب نقدًا لاذعًا لبعض المسؤولين، إذ يتهمهم بتحميل الشعب نتائج فشلهم، وتضليل الرأي العام عبر قلب الحقائق.
ويمضي سماحته أبعد من ذلك، بحيث يربط المجازر التي يرتكبها العدو بعجزه العسكري، متوقعًا هزيمة قريبة له.
كما تحمل مواقف سماحة العلامة الخطيب أبعادًا أيديولوجية وإيمانية، حيث يُضفي على موقف المقاومة “طابعًا قِيميًّا”، وينتقد مخالفيه في إطار أخلاقي ايضًا.
ثانيًا: بين الدبلوماسية والمقاومة – إشكالية الخيار الوطني المُناسب
تثير المواقف إشكالية محورية في الحياة السياسية اللبنانية، وهي: هل تكفي الدبلوماسية لحماية الوطن، أم أن المقاومة هي الخيار المناسب لهذه المرحلة؟
يُظهِر الواقع أن طرفي المعادلة يحملان نواقص حين يُفهمان بشكل أحادي. (فالدبلوماسية الضعيفة تفقد قدرتها على التأثير)، والمقاومة غير المندمجة في مشروع دولة قوية عادلة تظل محدودة، اذا لم تبادر السلطة الى القيام بواجباتها اتجاهها (وفقا للدستور اللبناني اتفاق الطائف)، ووفقا لواقعِ الحال مع نفاد أي ادوات اخرى ناجعة للتصدي للعدوان والتمكن من تحرير الأرض بكاملها، ووقف الاستهدافات العدوانية التي رافقت الحياة في لبنان طيلة ١٥ شهرا، سقط فيها ما يزيد عن ٥٠٠ شهيد، وجرحى، وهُدِّمت مبانٍ كثيرة، وحُطِّمت آليات من كل نوع لا سيما تلك التي لها علاقة بالإعمار، فضلا عن منع اللبنانيين من إعادة الاعمار ووقوف السلطة خالية الوِفاض اتجاه هذا الموضوع.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في بناء تكامل بين القوة الواقعية والادارة السياسية، بين الإرادة الوطنية والمؤسسات، لا في إقصاء أحدهما لصالح الآخر.
ثالثًا: خطاب التخوين ومخاطر الانقسام
من أخطر ما تشير له المواقف، هو التعامل مع فئة من اللبنانيين المُكون الأساسي للوطن اللبناني: المسلمون الشيعة، كأنهم فئة لاجئة، ويتم تحميلها كل وزر الازمات اللبنانية وآثار العدوان.
ويشير سماحته الى ان هذا الأسلوب في الاتهام قد يكون مؤثرًا في شحن الجمهور الآخر لغايات سياسية رخيصة او غير بريئة، إلا أنه يساهم في تعميق الانقسام الداخلي، ويؤدي الى تحطيم الوحدة الوطنية، غهل تدري القوى السياسية في لبنان، ومعها السلطة الرسمية، ماذا يعني هذا الموضوع؟!
فعندما يتحول الخلاف السياسي إلى حُكم وُجودي، يصبح الحوار أكثر صعوبة، وتتراجع فرص التوافق الوطني. وهنا تكمن مفارقة خطيرة: الدفاع عن الوطن الذي يقوم به لبنانيون يقدمون أنفسهم واباءهم وأبناءهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبلهم، ويصبحون نازحين في أسوأ ظروف، بدلا من أن توجه لهم التّحايا، ويكرمون تكريم الأبطال، تُكال التهم عليهم، وتساءُ معاملتهم.
يا سادة، يا جماعة السياسة، ان هذا الامر قد يتحول إلى سبب في إضعاف وحدة لبنان، وضعف قراراتها السياسية مهما كانت.
رابعًا: قراءة نقدية موضوعية للرؤية المطروحة
لا شك أن مواقف سماحته تحمل عناصر قوة، أبرزها ما يلي:
● التمسك بالسيادة ورفض الخضوع.
●التنبيه إلى خطر فشل الأدوات الدبلوماسية التي كل يوم تثبت فشلها، بل هزلت المسائل ان تصل الدبلوماسية مع العدو لإصلاح قسطل مياه، فتفشل المحاولة، فكيف بالقضايا المهمة او الكبرى(انسحاب كامل للاحتلال من الأراضي اللبنانية، لا منطقة عازلة، لا تدمير للقرى، لا منع للاعمار،…. ).
● تقدير قدرة المقاومة كحلٍ لهذه المرحلة للتصدي للعدوان، ريثما تصبح قمة دولة قوية قادرة عادلة يستطيع جيشها الأبي بقدرات مميزة، ليست موجودة الآن، ان يقوم الجيش الباسل المؤيّد من الشعب اللبناني بالدور دون إغفال دور كل مكامن القوة الأهلية.
●يقدّم خطة عملية واضحة لإدارة الأزمة، تقوم على ان تصبح السلطة خلية طوارئ، لمتابعة كل ما يرتبط بالاوضاع الحالية داخليا وخارجيا.
خامسًا: نحو رؤية وطنية متوازنة
إن أزمة لبنان اليوم ليست أزمة خلاف على خيار واحد، او مسألة واحدة، بل أزمة غياب رؤية وطنية جامعة. فلا الدبلوماسية وحدها قادرة على حماية الوطن، ولا المقاومة بمعزل عن الدولة قادرة على بنائه.
إن الحل يكمن في:
– بناء دولة قوية تمتلك قرارها بحق، نعم بحق.
– وضع استراتيجية دفاع أمن وطني تجمع بين الجيش بعد تجهيزه وإعدادِه بكل ما يحتاجه، وعناصر القوة كافة.
– تفعيل دبلوماسية ذكية كفؤوة وفاعلة غير موتورة او غير مرتبطة بمشاريع سياسية، فلا تتخذُ قرارت تربكُ لبنان وتزيد من توتراته الداخلية ما هو بغنى عنها.
– منع خطاب التخوين لأي فئة، منع التعرض لقيادة الجيش، منع التعرض للدور الوطني للجيش، وتعزيز الحوار الوطني اللبناني.
خِتامًا، تُعبّر مواقف العلّامة الشيخ علي الخطيب عن رؤية حقيقية لمعالجة الأزمة اللبنانية بل الواقع اللبناني. فلبنان اليوم بحاجة إلى عقل وطني جامع، يجمع بين الكرامة والحِكمة، وبين المسؤولية الوطنية وإدارةِ الدّولة، وبين سيادة السلطة وقوة المجتمع الأهلي؛ وحدَه مصدر السلطات في هذا النظام وأمثاله.
فالانتصار الحقيقي لا يكون في الداخل، بل في القدرة على إنقاذ الوطن وتوحيد أبنائه؛ جميع أبنائه في وطنٍ نهائي ارتضوه لهم اسمُهُ لبنان.
مع تحيّاتي.
د.غازي مُنير قانصُو
باحث اكاديمي، عميد كلية جامعية.
الإثنين الواقع فيه ٦ نيسان ٢٠٢٦م.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
