بقلم ريما فارس
في لحظةٍ يشتدّ فيها الغبار فوق الجنوب، لا يعود السؤال في لبنان: من يحكم؟ بل: من يصمد؟
منذ الثاني من آذار، لم تعد السياسة في هذا البلد تُكتب في القاعات المغلقة ولا على طاولات التسويات، بل تُرسم بدمٍ حيّ على حدود النار. هناك، حيث تتقدّم المواجهة خطوةً خطوة، يتراجع الكلام وتعلو الحقيقة الوحيدة: أن لبنان، مرةً جديدة، يُختبر في جوهره لا في تفاصيله.
الحرب المفتوحة لم تكن حدثًا عابرًا، بل كشفت ما كان مستورًا. أكثر من ألف شهيد، ومئات آلاف العائلات التي اقتُلعت من بيوتها، ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، بل هي وجوه هذا الوطن حين يُدفع إلى حافة الاختبار. ومع كل موجة نزوح، لم يكن الناس يهربون من الأرض، بل كانوا يحملونها في قلوبهم، كأن الجنوب ليس مكانًا بل هوية.
في هذا المشهد، تهاوت الكثير من الأوهام. سقطت فكرة أن القرار السياسي يمكن أن يبقى منفصلًا عن الميدان. فحين تُقصف القرى، لا يعود للحياد معنى، وحين تُهدَّد الأرض، يصبح الصمت موقفًا. هنا، لم يعد القرار يُصاغ فقط بين القوى السياسية، بل صار امتدادًا لما يجري على خطوط النار.
لكن الأهم أن هذه الحرب أعادت تعريف المعادلة. لم يعد النقاش حول السلاح نظريًا، بل وجوديًا: هل يُترك لبنان مكشوفًا أمام عدوان لا يعترف بقانون ولا بسيادة؟ أم يُحفظ له حقه في الدفاع، ولو كلف ذلك أثمانًا باهظة؟ في قلب هذا السؤال، تتشكّل اليوم هوية المرحلة.
اللافت أن العدو، رغم ما يمتلكه من قوة، لم يستطع أن يفرض صورة النصر السريع. لأن ما يواجهه ليس مجرد قوة عسكرية، بل بيئة تعرف جيدًا معنى الصمود. بيئة تعلّمت من تاريخها أن الانكسار ليس خيارًا، وأن الخسارة الحقيقية ليست في الدمار، بل في التخلّي.
وهنا، يصبح النزوح شكلًا آخر من أشكال المواجهة. فالأم التي تحمل أطفالها وتغادر تحت القصف، لا تغادر هزيمة، بل تحمي امتداد الحياة. والرجل الذي يبقى خلف الركام، لا يبقى عنادًا، بل يحرس ما تبقى من معنى الوطن. في هذه التفاصيل الصغيرة، تُكتب رواية الصمود الأكبر.
سياسيًا، يبدو المشهد مرتبكًا، منقسمًا، متنازعًا على العناوين. لكن تحت هذا السطح، هناك حقيقة أعمق: أن لبنان، في لحظات الخطر، يعيد إنتاج نفسه من جديد. ليس عبر التوافقات السريعة، بل عبر صلابة مجتمعه وقدرته على البقاء.
قد تطول الحرب، وقد تشتد الضغوط، وقد تتعقّد الحسابات الإقليمية، لكن ما لا يتغيّر هو أن هذا البلد لم يكن يومًا سهل الكسر. كل مرة ظنّ فيه العدو أنه بلغ النهاية، كان يبدأ فصلًا جديدًا من الصمود.
في لبنان، لا تُقاس القوة فقط بما يُدمَّر، بل بما يبقى. وما يبقى اليوم، رغم كل شيء، هو إرادة لا تزال ترفض أن تُهزم.
ريما فارس
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
