أول المؤامرة ليس اتفاق الإطار

 

بقلم علي خيرالله شريف

حزم حقائبه إلى واشنطن. وعاش الأرق والتوتر، وتسارعت تصريحاته ودقات قلبه، وكأنه في لحظات ما قبل الحساب. احتار كيف يتكلم دون أن يتلعثم، مع سيده الأبرص الأنحس الأنجس، واحتار من أين يبدأ وكيف. فالبدايات مع تزامب متعددة الأبواب؛ قد تكون من حيث قَبَّلَهُ ولي العهد، أو من “عبطة” خصره المسكوب كبرميل نفط، أو من باب آخر يخترعه مزاجه “المعطوب”. فأقصى غاية جوزاف المنبهر هي كسب الرضا ولفت النظر، حتى لو مات كل البشر. وهذا يحتاج إلى تقديم المزيد من الطاعة والولاء لكل الجزر المشبوهة؛ جزر العرب، وجزيرة إبستين، وجزر البخاخين والقوادين.

نجح عون في مناجاة ربه الأعلى، فمنحه بعض الاهتمام أمام الإعلام، ولكن دون رشة عطر، خاصة بعد أن لمس طاعته المطلقة ووسامته المغرية. إذن هي فرصته المناسبة لِبَخِّ السم عنده. ولكن هذه المرة ليس انتقاماً ممن بخَّوهُ ضده سابقاً عند سيد البلطجة، بل كان بخه حصراً ضد ح. الله، على أساس أن هذا الحزب برأيه ضد القانون، وعميل إيران، ومصاب بداء الكرامة، وحمى الشرف المُعدِيَة إلى كل من عنده وخزة ضمير. وهذه العدوى لا تتناسب مع السيادة المرسومة بألزهايمر والهلوسة الطائفية. فهذا الحزب لكي يستباح يجب أن يسلم السلاح، حصراً لجيش الدفاع، كرمى لعيون ترامب “المعرمصة” ولسيرته المتحرشة والمغتصبة، ولأكاذيبه التي يتقيأها مع كل شهيق وزفير.

قرر ثنائي السيادة المزيفة بيعها لتل أبيب مقابل بعض الغزل الشاذ والالتفاتة المريبة، وفوق البيعة عشرات القرى والمدن من الجنوب، وآلاف الأميال البحرية، ومئات المليارات من الغاز والثروات.

لم يكترث هؤلاء السياديون المتبجحون لقطعان المستوطنين الذين انتشروا منذ ما قبل الزيارة “الحلم”، في أنحاء المناطق التجريبية ليتقاسموا أراضيها للاستيطان فيها. بل راحوا يمعن في التنازل والانصياع، إلى أن وضعوا الجيش اللبناني تحت إمرة العدو، لينفذ أوامره دون اعتراض.

كانت زيارة جوزاف عون غريبة عجيبة إذا ما قورنت بزيارات الدول لبعضها. فهي على شاكلة مفاوضات الإطار التي لم يحمل المفاوضون اللبنانيون إليها لا أوراق ولا ملفات، فقط حملوا أقلاماً للتوقيع على ما يملونه عليهم. وعندما ذهب الوفد العسكري، استبعدوه فوراً لأنه حمل معه حقائب وملفات وخرائط الأراضي اللبنانية المحتلة، وإحصائيات بالانتهاكات والاعتداءات الإسرا_ئيلية، وبعدد الشهداء اللبنانيين نتيجة تلك الاعتداءات. كل هذا لم يرضَ به ترامب ولا نتنياهو، لذلك تم إلغاء مشاركة الجيش اللبناني في المفاوضات.

من هنا جاءت زيارة جوزاف عون لواشنطن على قياس الرغبة الأميركية. لا داعي للتفاصيل ولا للملفات، ولا للوزراء والخبراء والحقوقيين والعسكريين. المطلوب فقط التقاط الصور، والإعلان أمام الإعلام أنه يفوضه أمره ورقبته ورقبة شعبه ويسلمه رأس المقا_ومة، ويبايعه في كل ما يرتأيه، فهو الحكم مهما كان شريراً ولئيماً ومتغطرساً ومجرماً..

إذن، بما أن الزيارة للمبايعة على طريقة “أمرك سيدي”، “واللي بتفصلو نحنا منلبسو”، وكان ممنوع فيها اصطحاب مَن يجادل ويعاند، انتهز جوزاف عون الفرصة وأخذ معه عائلته بكلها وكلكلها وصغيرها وكبيرها، وحراسها وخدمها وحشمها وسائقيها وربما حيواناتها الأليفة، ومستشاريه وموظفيه المنزليين الأليفين أيضاً.

لقد بصم جوزاف عون على القبول بتدخلات إقليمية سورية سعودية إماراتية تركية، لضرب المقا_ومة اللبنانية، بقيادة أميركيَة وبمشاركة بعض فرقها العسكرية والألوية الإسرائيلية.

أول المؤامرة بعد تعيين الرئيسين، جاء اتفاق الإطار، والآتي أعظم، ليس أقله فتح الأسواق وإغراقها بالبضائع الصهيو_نية، وتغيير المناهج التربوية وعقيدة الجيش اللبناني، واستملاك الأراضي بجنسيات أميركية وإماراتية، وتمكينهم منا إلى حدود الحروب الأهلية.

ماذا ينتظر الوطنيون في لبنان مقابل ذلك؟
لا أعلم بتفاصيل ما خططوا له، ولكن أظن أن كل المتدخلين ضد المقا_ومة، سيندمون، لأن ما ينتظرهم إن تدخلوا، يفوق ما يتصورون…
لا بد من القول أنه ما دام الجيش اللبناني يعارض انبطاح السلطة، وأكثرية القوى السياسية والأحزاب، وأكثرية الشعب حسب استطلاعات الرأي، كلهم ضد سلوك رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لماذا لا يتم التحرك لاسقاطهم بكل الطرق والوسائل. فلا تكفي التصريحات واللقاءات المبتورة والاستعراضية. وتجدر الإشارة أن التهديد بالشارع مقابل الشارع من قبل اليمين، هو عبارة عن عرض عضلات كرتونية.
هل تنتظرون أن ينشئوا ألوية تأتمر بأمر الأميركيين لكي تصبح المهمة أصعب؟
أم أنكم تنتظرون إقالة قائد الجيش أو اغتياله هو والضباط الوطنبين أو انتهاء مدة خدمتهم، ليبدأوا مهمتهم بتصفية الجيش لصالحهم؟

الجمعة ٢٤ تموز ٢٠٢٦

https://www.facebook.com/share/p/1GYX21Ycdt/

شاهد أيضاً

الإخلاص… آخرُ الأنبياء في زمنِ الخيانة.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل لو أن الفضائل تمشي بين الناس، لكان الإخلاص أكثرها …