الإخلاص… آخرُ الأنبياء في زمنِ الخيانة.

بقلم: الكاتبة والمربية فاطمة يوسف بصل

لو أن الفضائل تمشي بين الناس، لكان الإخلاص أكثرها تعبًا…
فهو يسير في طرقٍ امتلأت بالخداع، ويطرق أبوابًا يسكنها النفاق، ويبحث عن قلوبٍ لم تبتلعها المصالح. وفي كل مرة يظن أنه وجد موطنًا له، يكتشف أن كثيرًا من الأبواب لم تعد تُفتح بالمحبة، بل بالمصلحة، وأن كثيرًا من الأيدي لا تمتد لتصافح، بل لتحسب ما ستجنيه من تلك المصافحة.
ولذلك، لم يمت الإخلاص لأنه ضعيف، بل لأنه أصبح يعيش غريبًا في زمنٍ ازدحمت فيه الأقنعة، حتى صار الصدق يحتاج إلى شجاعة، والوفاء يحتاج إلى بطولة، بينما أصبحت الخيانة تُمارس ببرود، وكأنها أمرٌ عادي لا يهز الضمير.
الإخلاص ليس كلمةً تُقال عند اللقاء، ولا وعدًا يُكتب في رسالة، ولا قسمًا يردده اللسان ساعة العاطفة. الإخلاص حالةٌ من النقاء، لا يراها الناس في الكلام، بل يلمسونها في المواقف. إنه أن تبقى كما أنت عندما تتغير الظروف، وأن تظل وفيًّا حين يصبح الغدر أسهل، وأن تحفظ الجميل بعدما تنتهي الحاجة، وأن تصون العهد حتى لو لم يبقَ من يذكّرك به.
كم هو سهل أن يقول الإنسان: “أنا مخلص.”
لكن كم هو صعب أن يبقى كذلك عندما تغريه الدنيا، وتفتح له أبوابًا جديدة، وتهمس له بأن الوفاء أصبح قديمًا، وأن تبديل الوجوه نوعٌ من الذكاء.
إن الإخلاص هو الامتحان الذي لا ينجح فيه إلا أصحاب الضمائر الحية.
فالإنسان يستطيع أن يخدع الناس سنوات، لكنه لا يستطيع أن يخدع قلبه إلى الأبد. ففي أعماقه قاضٍ لا ينام، ومحكمة لا تُؤجل جلساتها، وضميرٌ يعرف الحقيقة حتى لو صفق له العالم كله.
ولعل أعظم أشكال الإخلاص، أن يكون الإنسان مخلصًا للمبادئ قبل الأشخاص. فالأشخاص قد يرحلون، أما المبادئ فإن رحلت، رحل الإنسان معها. لذلك كان العظماء أوفياء لما يؤمنون به، لا لما يربحونه منه.
الإخلاص لا يقتصر على الحب كما يظن كثيرون.
إنه حاضرٌ في كل زاوية من زوايا الحياة.
في الأم التي تخفي تعبها خلف ابتسامة كي لا يقلق أطفالها.
وفي الأب الذي يستهلك عمره ليمنح أبناءه حياةً أفضل.
وفي المعلم الذي يزرع في عقول طلابه أحلامًا، وهو يعلم أنه قد لا يرى ثمارها.
وفي الطبيب الذي يسهر على مريضه، لا لأن القانون يفرض عليه ذلك، بل لأن ضميره لا يسمح له بغيره.
وفي العامل الذي يتقن عمله وإن غاب الرقيب، لأنه يعلم أن الله لا يغيب.
هؤلاء جميعًا لا يرفعون شعار الإخلاص… بل يعيشونه.
والمؤلم أن المخلص غالبًا هو أكثر الناس تعرضًا للخذلان.
لأنه يعطي بقلبٍ كامل، بينما يتعامل الآخرون معه بعقولٍ تحسب المكاسب والخسائر. ومع ذلك، لا يتغير، لأنه يعلم أن قيمة الأخلاق لا تُقاس بردة فعل الآخرين، بل بثبات صاحبها عليها.
الإخلاص لا ينتظر التصفيق، ولا يبحث عن الجوائز.

إنه يشبه الجذور التي لا يراها أحد، لكنها وحدها تمنع الشجرة من السقوط. ويشبه النور الذي لا يتحدث عن نفسه، لكنه يكشف الطريق لكل من حوله.
ومن أعظم مآسي هذا العصر، أننا أصبحنا نُعلّم أبناءنا كيف ينجحون، ولا نُعلّمهم كيف يكونون أوفياء. نُحدثهم عن المنافسة، وننسى أن الحياة لا تُبنى بالانتصار على الآخرين، بل بالانتصار على الأنانية التي تسكن داخلنا.
لقد أصبح العالم أكثر تقدمًا في الصناعة، وأكثر سرعةً في الاتصال، وأكثر براعةً في اختراع الآلات… لكنه في المقابل، صار أكثر فقرًا في المشاعر، وأكثر هشاشةً في العلاقات، لأن الإخلاص لا يُصنع في المصانع، ولا يُشترى بالمال، ولا تُنتجه التكنولوجيا.
إنه يُولد في قلبٍ عرف الله، فأدرك أن الوفاء عبادة، وأن الأمانة مسؤولية، وأن الكلمة عهد، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يحفظ.
ولو تأملت صفحات التاريخ، لوجدت أن أعظم الشخصيات لم تُخلّد لأنها كانت الأقوى، بل لأنها كانت الأوفى. فالناس قد تنبهر بالقوة، لكنها لا تحب إلا من أخلص لها. وقد تخشى صاحب السلطة، لكنها لا تنحني احترامًا إلا لصاحب المبدأ.
وفي النهاية…
حين تُطوى صفحة العمر، لن يسأل التاريخ كم بيتًا امتلكت، ولا كم منصبًا تقلدت، ولا كم شخصًا عرف اسمك.
سيسأل سؤالًا واحدًا فقط…
هل كنت أمينًا على القلوب التي ائتمنتك؟ وهل بقيت وفيًّا عندما أصبح الرحيل أسهل من البقاء؟
فالإخلاص ليس خُلُقًا عابرًا، ولا فضيلةً تكمّل شخصية الإنسان، بل هو روح الفضائل كلها. فإذا مات الإخلاص، ماتت الثقة، وإذا ماتت الثقة، ماتت العلاقات، وإذا ماتت العلاقات، عاش الإنسان في أكثر العصور ازدحامًا… وهو أشدها وحدة.
فحافظوا على الإخلاص… لأن العالم لا ينقصه الأذكياء، ولا الأقوياء، ولا الأغنياء… بل ينقصه أولئك الذين إذا أعطوا عهدًا لم ينقضوه، وإذا أحبوا لم يتبدلوا، وإذا حضروا كانوا أمانًا، وإذا رحلوا تركوا وراءهم قلوبًا تقول: هنا مرَّ إنسانٌ كان وفيًّا… حتى النهاية.

شاهد أيضاً

سلامة اثر ادراج قلاع جبل عامل على لائحة التراث العالمي المهدد: يعكس القيمة العالمية لقلاع شكلت مجتمعة تاريخ جنوب لبنان

  أعرب وزير الثقافة غسان سلامة عن ” امتنانه للقرار الذي اتخذ خلال انعقاد لجنة …