الاستاذ وليد نعوشي
إن كنت مراقباً للسياسة الداخلية الأمريكية أو العالمية، فعليك أن تراقب إلى أين يتجه الشرق الأوسط ودول الخليج؟
هذا السؤال لم يعد مجرد استفسار صحفي، بل أصبح المحور الأساسي الذي تُبنى عليه القراءات الاستراتيجية في واشنطن والعواصم الكبرى. إن الإقليم يمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة ومفصلية؛ مرحلة تتجاوز إدارة الأزمات التقليدية إلى محاولات إرساء معادلات قوة جديدة تؤثر بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، وطرق التجارة البحرية، والسياسات الداخلية للولايات المتحدة.
## 1. الضفة الغربية وغزة: مركز الزلزال الاستراتيجي
لا يمكن فهم القوس الجيوسياسي للإقليم دون البدء من النقطة البؤرية: المشهد الفلسطيني ومستقبله المعقد.
### قطاع غزة: بين التفتيت والسيطرة الأمنية
* **الواقع الميداني:** تشهد غزة ترسيخاً لسياسات المناطق العازلة، حيث تتحول المواجهات العسكرية من حروب واسعة إلى عمليات استنزاف وضغط أمني مكثف ومستمر.
* **أزمة الحكم والإدارة:** تظل الترتيبات الانتقالية وخطط إعادة الإعمار تصطدم بالحسابات السياسية المعقدة، وغياب الرؤية الموحدة لليوم التالي للحرب.
* **البُعد الإنساني:** يقع السكان تحت أعباء معيشية وإنسانية غير مسبوقة، مما يجعل أي استقرار مؤقت معرّضاً للانهيار أمام أدنى اشتعال ميداني.
### الضفة الغربية: التصعيد غير المعلن
* **التوسع والاستيطان:** تعيش الضفة الغربية حالة من الغليان المستمر جراء توسيع السيطرة الإدارية والميدانية، وزيادة وتيرة الاحتكاك بين المستوطنين والسكان المحليين.
* **تآكل السلطة:** تعاني السلطة الفلسطينية من انكماش دورها السياسي والاقتصادي، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات الانفلات الأمني أو ظهور تشكيلات جديدة غير منظمة وخارجة عن السيطرة المركزية.
## 2. الأردن ودول الخليج: التوازن فوق حبل مشدود
مع تحرك أمواج الصراع من المركز، تجد دول الجوار والخليج نفسها في قلب معادلة ضغط جديدة تتطلب مناورات دبلوماسية فائقة الدقة.
### المملكة الأردنية الهاشمية: خط الدفاع وصدمات الجغرافيا
* **الأمن القومي والحدود:** يواجه الأردن ضغوطاً متزايدة لحماية حدوده الشمالية والشرقية من عمليات التهريب وتمدد نفوذ الفصائل.
* **التوازن الديموغرافي والسياسي:** يتأرجح عمان بين الحفاظ على اتفاقيات السلام واستقراره الداخلي الرافض للتصعيد الإسرائيلي، مع استمرار المخاوف من أي سيناريوهات للتهجير القسري أو تغيير الوضع القائم في القدس.
### دول الخليج العربي: الأمن الاقتصادي وممرات التجارة
* **المرونة والاستراتيجية:** تسعى دول الخليج (مثل السعودية والإمارات وقطر) إلى حماية مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى (مثل رؤية 2030) بعزل اقتصادها الوطني عن أتون الحروب الإقليمية.
* **حرب المضائق والطاقة:** شكلت تهديدات الملاحة في **مضيق هرمز** و**باب المندب** تحدياً مباشراً لأمن الطاقة والتجارة البحرية؛ حيث أظهرت التطورات أن الحسابات الخليجية تركز على منع تحول الإقليم إلى ساحة حرب مفتوحة بين القوى الكبرى والإقليمية.
* **الدبلوماسية الواقعية:** تعتمد دول الخليج خيار الدبلوماسية متعددة المسارات؛ فبينما تحافظ على تحالفاتها الأمنية التاريخية مع واشنطن، تبقي على قنوات الحوار مفتوحة مع طهران لمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة تطال البنية التحتية الحيوية.
## 3. التصعيد الإيراني ونهاية المواجهة بين واشنطن وطهران
تظل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران المحرك الأساسي لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
### أدوات التصعيد الإيراني
* **استراتيجية حرب الاستنزاف:** تعتمد طهران على توسيع جغرافية المواجهة عبر وكلاؤها في اليمن والعراق وسوريا للضغط على المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
* **ورقة الملاحة البحرية:** استخدام الممرات المائية الحيوية كمقبض ضغط سياسي واقتصادي لرفع أسعار النفط العالمية وإجبار المجتمع الدولي على التفاوض وفق شروطها.
### أين تتجه نهاية المواجهة الأمريكية-الإيرانية؟
تتراوح المسارات المحتملة للختام الاستراتيجي لهذه المواجهة بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
> **1. سيناريو الانهاك وردع الحدود (The Fragile Equilibrium):**
> الوصول إلى تفاهمات ضمنية أو هدنة هشّة قائمة على مبدأ “الردع المتبادل”، حيث تدرك واشنطن أن القضاء الكامل على النفوذ الإيراني يحتاج إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة، بينما تدرك طهران أن الذهاب إلى المواجهة الشاملة يهدد وجود النظام نفسه.
>
> **2. سيناريو الصفقة الكبرى (The Grand Bargain):**
> إبرام اتفاق أمني واقتصادي جديد تفرضه الضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران، مقابل تقديم واشنطن لضمانات وتسهيلات محددة، مما يعيد ترتيب ملفات النفوذ الإقليمي والبرنامج النووي تحت مظلة تفاهمات جديدة.
>
> **3. سيناريو الانفجار الكبير وإعادة التشكيل (Regional Reshaping):**
> انزلاق الطرفين إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق تستهدف البنية التحتية الحيوية والنظرية الأمنية للإقليم. هذا السيناريو كفيل بتفكيك قواعد اللعبة القديمة وإنشاء نظام أمني إقليمي جديد بالكامل، لكن بكلفة باهظة على الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي.
>
## الخاتمة: الخريطة الجديدة للإقليم
يتجه الشرق الأوسط بخطى حثيثة نحو نظام إقليمي جديد؛ نظام لن تكون فيه المعادلات القديمة قابلة للاستمرار. بين ضغط واشنطن لإعادة بسط الردع، وسعي طهران للحفاظ على مكاسبها النفوذية، ورغبة دول الخليج في بناء ملاذات اقتصادية مستقرة، يظل الشارع العربي والقضية الفلسطينية المحرك الأساسي والشاهد الأول على كلفة هذا التحول الجيوسياسي.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
