بقلم: ناجي علي أمهز
مع المقال فيديو لمؤتمر الدفاع عن علوني ومن حضره.
ليست هذه سطوراً عابرة، ولا مقالة تُكتب لتُقرأ وتُطوى؛ إنها في زمنٍ كهذا، أشبه بمحضر اتهام… أو باعتراف. اعتراف كاتبٍ يشعر أن الميدان الفكري لم يعد أقل حصاراً من الميدان العسكري، وأن الكلمة التي كانت سلاحاً، صارت اليوم هدفاً.
في هذا الزمن البائس، حيث يُجلد الأمل وتُهان الحقيقة، لا يُغتال الإعلامي كفرد، بل تُغتال معه “فكرة الإنسان”. يوم يسقط صحافي، لا تسقط مهنة، بل تسقط قيمة إنسانية كبرى. ومن هنا، فإن علي شعيب لم يُغتل وحده، بل سقط معه شيء من معنى الحرية في هذا العالم، وارتجف -ولو للحظة- ظل تمثالها في أقاصي الأرض.
أتذكر، كأن الذاكرة تُصرّ على المقارنة، ما كتبته قبل أعوام عن علي شعبان، يوم أسميته “شهيد حرية إعلام لبنان”. يومها، كان في الكلام شيء من الإيمان بأن العالم لا يزال يصغي. أما اليوم، فالكلام نفسه يعود، لكن من دون ذلك اليقين؛ كأن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يُهدر فحسب، بل تلاشى بصمت، فيما تُنحر الحقيقة أمام عدسات العالم وأعين المارّة.
سألني كثيرون، وبعضهم بمرارة محقة: أين أنت؟ لماذا يغيب صوتك عن الوقفات، وعن الاعتصامات، وعن صور التضامن مع الإعلاميين؟ كان في السؤال ما يشبه المعاتبة القاسية، ولعلّ من حقهم أن يسألوا، ومن واجبي أن أجيب.
أنا لم أنسحب من معركة الكلمة، ولم أتخلَّ عنها يوماً، لكنني -وربما للمرة الأولى- أجد نفسي خارج “منصاتها”. لا لأنني لا أريد الحضور، بل لأن الحضور صار امتيازاً محصوراً بأسماء معينة، تريد احتكار التواجد والكلام في كل شيء: في السياسة، في التحليل، في الغناء، في الشعر، وحتى في علوم الفضاء! الوجوه ذاتها تتكرر، والأسماء نفسها تُستدعى، وكأن الكلمة أُدخلت في نظام “المحاصصة”، لا في فضاء الحرية.
حتى عندما يريدون التحدث عن الحريات الاعلامية فانهم ياتونك ببعض اتباع الاحزاب الشمولية العربية التي كانت زنازينهم مكتظة باحرار الكلمة، للتحدث عن الحريات بمشهد يقتل التضامن العالمي مع اعلام محور المقاومة،
“نحن في واقع منفصل عن العالم، لا نعرف نقاط قوته ولا ندرك مكامن ضعفه.”
النخب العالمية ليسوا جماعة من الاغبياء السذج، تريد ان يتضامن معك العالم في امور انسانية عليك بالمستقلين اقله ينظر اليهم كرواد فكر ليسوا كفريق مؤدلج، هنا القوة وهنا الفرق.
في زمنٍ مضى، حين كان في البلاد نبض، كنت أستطيع تحويل الفكرة إلى مؤتمر، والكلمة إلى حدث، كما فعلت في قضية تيسير علوني (وشكراً لمن ذكرني بذلك). لم أكن أبخل بجهد، ولا الذين يعرفونني كانوا يبخلون؛ كانت المبادرات ممكنة، وكان الصوت إن ارتفع يجد صداه،لان المستقل صوته افعل في الضمير العالمي.
أما اليوم، فالمشكلة لم تعد في القدرة، بل في “الإقصاء”؛ في هذا “النادي المغلق” الذي يختار من يتكلم، لا وفق ما يقول، بل وفق من يكون. وهنا، يصبح الحضور أحياناً مجرد فعل شكلي، ويكون الصمت والغياب أكثر صدقاً، وأشد احتراماً لأرواح الراحلين.
لذلك، إن حضرتُ قد أكون مجرد “رقم”، وإن غبتُ قد أكون “أوضح”. لكن في الحالتين يبقى السؤال المرّ: هل تُنصف الكلمة إذا احتُكرت؟
الخطر الحقيقي ليس فقط في الرصاصة التي تقتل الصحافي، بل في التهميش الذي يغتال صوته وصورته بعد استشهاده. أن يُقتل الإعلامي مرتين: مرة برصاص العدو، ومرة لأن “رفاق المهنة” لا يريدون لغير أنفسهم أن يظهر. حتى مقالاتنا الوجدانية التي نكتبها دفاعاً عنهم لا ينشرونها، ولو كانت تغير وجه الشرق؛ فهم لا ينظرون إلا لمرآة أنفسهم، والباقي لا قيمة له في عرفهم، لا في كلامه ولا في حضوره.
صدقوني، إنني أموت ألف مرة عندما يستشهد إعلامي وأجد نفسي في “منفى” اختياري؛ لقد نجحوا بعزلي انهم كثر.
الرحمة لشهداء الصحافة والإعلام في لبنان، هؤلاء الذين -رغم اختلافاتهم- كانوا دائماً عين الحقيقة. والحزن، كل الحزن، على عالمٍ بات يرى الجريمة ولا يرتجف، ويسمع الصرخة ولا يجيب.
في زمن الوحش، لا يكفي أن نرثي الشهداء.. علينا أن نسأل بمرارة: من بقي ليحمل “المعنى”؟
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
