
خالد بن سالم الغساني
كل شيء أصبح ممكن ومعقول في زماننا هذا، فقد قيل في الأمثال: “عش رجباً ترى عجباً”..
ليس غريب والحالة هذه إذاً؛ أن نرى من يشير إلى العاصفة بيد، ويغضّ الطرف عن الريح التي تدفعها باليد الأخرى.
بل لم يعد غريب أيضاً أن تُدان الشرارة، ويُترك من أشعل النار خارج الصورة…
بعض الأقلام اختارت أن ترى المشهد من زاوية واحدة؛ تضخّم لحظة الانفجار، وتتعامل مع ما سبقها كأنه فراغ. ترى الرد بوضوح، لكنها تغض بصرها أمام الفعل الذي راكمه.
إنها لا تخطئ المشهد … لأنها قد اختارت نصفه.
في وسط هذا الرجب المعيش، تقدّم القواعد كأنها حراس الضوء، لا كقطع من معركة تُدار فوق أرضٍ ليست لها. كأنها جدران صامتة، لا تمتدّ منها أذرع، ولا تنطلق منها أفعال.
العدوان، حين يُعاد تسميته، لا يتغير.
والنار حين تُشعلها يد، لا تصبح قدر.
ومع ذلك، حين تُمس هذه الأدوات، يرتفع الصوت عالياً، بأن هذا اعتداء على الدار! وكأن الدار لم تُفتح لهذه النار، أو لم تُستخدم ساحةً لها.
هنا، لا يعود الالتباس خطأ، لأنه اختيار؛ خلطٌ بين الضيف وصاحب البيت، بين الأداة والقرار، بين من يملك الفعل ومن يُدفع ليحمل تبعاته.
ليست المشكلة في أن ترى خصماً، بل في أن تفقد القدرة على رؤية سواه.
أن تختزل المعركة في وجهٍ واحد، بينما تدير الوجوه الأخرى ظهورها لك… أو تدير لها أنت ظهرك.
في امتداد هذا المشهد، لا تتوقف الحكاية عند تشويه الصورة، بل تتجه إلى توسيعها. تُرسم خرائط جديدة، لا على الأرض فقط، بل في الوعي؛ حيث يُدفع بالبعض، بهدوء محسوب، إلى حافة المشهد… ثم يطلب منهم أن يخطوا خطوة أخرى.
هكذا، لا تُفتح الأبواب بالصخب، بل بخطابٍ يعيد ترتيب المعاني؛ شراكة واستقرار وأمن مشترك… بينما المعنى الأعمق هو توزيع المعركة، لا إنهاؤها.
وفي هذا الدفع الهادئ، يكمن الخطر الأكبر؛
أن تتحوّل المسافة إلى اتهام، وأن يُصبح التريّث موقف ناقص، وأن تبدو الخطوة إلى الداخل… وكأنها الخيار الوحيد.
لكن الحقيقة، أبسط من أن تُخفى:
ليست كل معركة معركتك…
وليس كل من يردّ على العدوان معتدي…
خصوصاً حين تعرف جيداً… من أشعل النار أولاً.
إن محاولة عزل الرد عن سياقه ، في رأيي، هي انحياز صريح للنار ضد من يحاول إطفاءها. فمن غير المنطقي أن يطالب الضحية بآداب الجوار بينما يُستباح بيته من نوافذ الجيران.
السيادة ليست جدار يُعلق عليه المعتدي أسلحته، والرد ليس عدوان بل هو استعادة للتوازن المفقود. فمن أوقد النار لا يملك حق الشكوى من لهيبها، ومن جعل من داره منصةً للريح، لا يلومنَّ الآخرين حين تضربهم العاصفة.
27 مارس 2026م
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net