بقلم جليل هاشم البكاء
في عالم تتداخل فيه القوة العسكرية مع الجغرافيا، تبرز فكرة الفيتو الجغرافي كأحد أهم محددات الصراع الدولي. هذا الفيتو لا يصدر بقرار سياسي، بل تفرضه الطبيعة والموقع، حيث تتحول الممرات البحرية الحيوية إلى أوراق قوة بيد الدول المطلة عليها.
وفي هذا السياق، تمثل كل من إيران واليمن نموذجين واضحين لهذه المعادلة، عبر سيطرتهما أو تأثيرهما على مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
إن أي حديث عن فتح هذه المعابر الدولية بمعزل عن إرادة القوى المؤثرة عليها، لا يمكن اعتباره مجرد قرار عسكري، بل هو مغامرة عالية الكلفة.
فهذه الممرات ليست طرقاً مفتوحة بلا شروط، بل بيئات معقدة يمكن تعطيلها بوسائل غير تقليدية، تجعل من القوة العسكرية التقليدية أقل حسماً مما يُتصور.
ومن هنا، فإن ضمان الملاحة لا يتحقق فقط بالقوة، بل يحتاج إلى حد أدنى من التفاهم أو التهدئة مع الأطراف القادرة على التأثير المباشر.
لقد أظهرت التجارب أن القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، تدرك هذه الحقيقة، حتى وإن لم تُعلنها بصراحة. فهي قادرة على فرض مرور جزئي أو مؤقت، لكنها لا تستطيع ضمان استقرار الملاحة بشكل كامل دون تقليل التوتر مع هذه القوى الجغرافية. وهذا ما يجعل أي تصعيد عسكري واسع محفوفاً بمخاطر الانزلاق إلى مواجهة لا يمكن التحكم بها.
في هذا الإطار، يصبح التصعيد أداة سياسية بقدر ما هو عسكرية. إذ قد تلجأ الأطراف إلى خطوات محسوبة، مثل استعراض القوة أو فرض مرور محدود، بهدف تحقيق انتصار رمزي يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً. لكن خلف هذا المشهد، غالباً ما تتحرك قنوات تفاوض غير معلنة، تفضي إلى تسويات جزئية تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف.
وبذلك، فإن ما يبدو في العلن صراعاً مفتوحاً، قد يخفي في جوهره تفاهمات دقيقة تعيد رسم قواعد الاشتباك دون إعلان صريح. فالقوى الكبرى تسعى إلى تجنب الظهور بمظهر العاجز، خصوصاً في ظل التنافس الدولي مع قوى مثل الصين وروسيا، بينما تحرص القوى الإقليمية على تثبيت موقعها كلاعب لا يمكن تجاوزه.
إن النتيجة النهائية لهذه المعادلة ليست نصراً عسكرياً حاسماً، بل توازن جديد يُفرض عبر مزيج من الضغط والردع والتفاهم. وفي هذا التوازن، يبرز الفيتو الجغرافي كحقيقة لا يمكن تجاهلها، حيث تتحول السيطرة على الممرات إلى قدرة على فرض الشروط، لا من خلال الإغلاق الكامل، بل عبر التحكم بدرجة الانفتاح وحدوده.
وبهذا المعنى، فإن أي محاولة لفتح المعابر الدولية دون مراعاة هذا الفيتو، ليست مجرد مخاطرة عسكرية، بل رهان على معادلة أثبتت مراراً أنها لا تُحسم بالقوة وحدها، بل بإدراك حدودها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
