بقلم: فاطمة يوسف بصل
الحرب ليست مجرد نار تشتعل في الخارج، بل هي زلزالٌ يهزّ أركان الطفولة، ويترك في أعقابه شظايا الألم في قلوب الصغار. ليست مجرد هدير طائراتٍ ولا ارتجاف جدران، بل هي ارتباكُ روحٍ صغيرة لم تُخلق بعد لتفهم هذا القدر من الفقد. الحرب، حين تمرّ من هنا، لا تترك الأرض وحدها مثخنةً بالجراح… بل تترك الطفولة نفسها مكسورة الجناحين، كطائرٍ أعمى يبحث عن سماءٍ لم يعد يعرفها.
الطفل، في بداياته، يشبه زهرةً تُربّيها الشمس، ويُسقيها الأمان. عالمه بسيطٌ كضحكته، وواسعٌ كخياله. لكن حين تتسلّل الحرب إلى هذا العالم، لا تعود الأشياء بأسمائها؛ يصبح الليل غابةً من الخوف، والسماء بابًا للقلق، والصوتُ العالي رجفةً تُصيب القلب قبل الأذن.
الخوف… حين يسكن الظل في القلب
الخوف عند الأطفال في الحرب ليس عابرًا، بل مقيم. إنه ظلٌّ طويل يرافقهم حتى في الضوء، ينام معهم ويستيقظ قبلهم. يخافون من الطرق على الباب، من انطفاء الكهرباء، من الغياب المفاجئ… حتى من الصمت أحيانًا. فالطفل الذي كان يركض خلف فراشة، صار يركض من فكرةٍ لا تُرى. وهكذا، يتحوّل قلبه الصغير إلى ساحة حذرٍ دائم، كأنه ينتظر شيئًا لا يعرفه… لكنه يخشاه.
الصدمة… ذاكرةٌ لا تنام
هناك لحظاتٌ لا تمرّ… بل تسكن. لحظات الفقد، الفراق، الرحيل المفاجئ… لا تخرج من ذاكرة الطفل، بل تعيد نفسها كأنها حدثت الآن. قد لا يرويها، لكنه يعيشها كل ليلة. في كوابيسه، في ارتجافة يده، في صمته الطويل. الصدمة ليست ذكرى… بل زمنٌ عالقٌ في داخله، لا يتقدّم ولا يتأخر.
فقدان الطفولة… حين يكبر الحزن قبل العمر
في الحرب، لا يكبر الأطفال… بل يُختطفون من أعمارهم. تُسحب منهم ألعابهم، وتُستبدل بأسئلةٍ ثقيلة: لماذا رحلوا؟ لماذا نحن؟ ماذا سيحدث غدًا؟ يصبح الطفل شاهدًا على ما لا يجب أن يُرى، وحاملًا لما لا يُحتمل. فتذبل البراءة، ويحلّ مكانها وعيٌ موجع، كأن الطفولة نفسها أُجبرت على الهجرة.
حكاية طفل… من بيت الحاج حسين
هناك، في زاويةٍ من هذا الوطن المتعب، يقف طفلٌ من “بيت الحاج حسين”… لم يعد البيت بيتًا، ولا الاسم ملاذًا. في لحظةٍ واحدة، انطفأت كل الوجوه التي كانت تناديه باسمه، وبقي هو… كنجمةٍ ضلّت سماءها. لا يبكي كثيرًا… كأن الدمع خاف أن يخذله أيضًا. يجلس طويلًا، يحدّق في اللاشيء، كأنه ينتظر أحدًا لن يأتي. حين يُنادى باسمه، يتأخر في الإجابة، كأنه يحتاج وقتًا ليعود من مكانٍ بعيد داخله. يخاف من الأصوات المفاجئة، ويتشبث بالأيادي كالغريق، لا لأنه ضعيف… بل لأنه تعلّم فجأة أن كل شيء يمكن أن يختفي.
هذا الطفل لا يحمل ذكرى عائلته فقط… بل يحمل فراغها. يحمل الكرسي الفارغ، والصوت الذي انقطع، والدفء الذي لم يعد. هو لا يعيش الحاضر فقط… بل يعيش غيابًا دائمًا.
العزلة… حين يصبح الصمت لغة
بعض الأطفال لا يصرخون، لأن الألم عندهم أعمق من الصوت. ينسحبون بهدوء، كأنهم يطفئون أنفسهم قليلًا قليلًا. يجلسون وحدهم، لا لأنهم لا يريدون أحدًا… بل لأنهم لم يعودوا يعرفون كيف يثقون بالبقاء. الصمت عندهم ليس هدوءًا… بل امتلاءٌ بما لا يُقال.
ومع ذلك… يولد الضوء من الشقوق
ورغم كل هذا، هناك شيءٌ لا تمسّه الحرب بالكامل… شيءٌ صغير، عنيد، يشبه بذرةً في قلب الحجر. إنه الأمل. الطفل، مهما انكسر، يبقى قادرًا على النهوض… إذا وجد يدًا تمتدّ إليه، لا لتسأله، بل لتبقى. كلمةٌ حنونة قد تعيد ترتيب فوضاه، نظرةُ أمان قد تُرمّم شيئًا من داخله، حضنٌ صادق قد يعيد إليه العالم… ولو قليلًا.
ليست المأساة أن الأطفال رأوا الحرب، بل أن الحرب قد تسكنهم طويلًا إن لم نجد لهم وطنًا من الحنان. هؤلاء الصغار لا يحتاجون إلى شفقةٍ عابرة، بل إلى قلوبٍ تُعيد لهم تعريف الحياة، إلى أيدٍ تمسكهم حين يرتجفون، وإلى أصواتٍ تقول لهم: ما زال في هذا العالم متّسعٌ للأمان.
فالطفل الذي انكسر اليوم، إمّا أن يكبر وهو يحمل شظايا الألم في روحه، أو يكبر وهو يحمل بذرة النجاة… ونحن من نختار أي الطريقين نزرع فيه.
دعونا لا نتركهم وحدهم في مواجهة ذاكرةٍ أثقل من أعمارهم، ولا نسمح للحرب أن تربح معركتها الأخيرة داخل قلوبهم. لأن إنقاذ طفلٍ من ظلام الخوف… هو، في الحقيقة، إنقاذُ إنسانيةٍ كاملة من السقوط.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
