عبد الغني طليس
من المستغرَب أن السياسيين والإعلاميين في بلدنا مرّوا بخبر كبير له علاقة بإيران وحزب الله في الحرب الآسرائيلية الأميركية عليهما مروراً عابراً. وإذا ذكَروه فمن زاوية التشكيك لا التدقيق والانتباه.
هناك بيانان أساسيّان أعلنهما الحرس الثوري عن “تعاون كامل” بين إيران والحزب في ترتيب الصليات الصاروخية في وقت واحد. المعنى أن هناك تنسيقاً سياسياً وعسكرياً بينهما، فالخطر واحد والنتائج سيتلقّاها الطرفان في النهاية. ودخول الجهَتين معاً، وبتوقيت متقارب، في معركة أو حرب واحدة له مُستتبعات ترتبط بمبدأ” وحدة الساحات” الذي كانت إيران والسيد حسن والحزب وحماس واليمن والعراق يتحدثون به قبل الحرب الأولى واختفت آثاره نسبياً بعدها.. نظراً لما بَدَا أنه انفراط لعقد تلك”الوحدة” بانفراد كل بلد أو طرف منها بمداواة جراحه وإعادة تنظيم شؤونه وصفوفه.
ثمن مشاركة حزب الله في الحرب التي ظهَر للناس وكأنها مشاركة مباشرة في الثأر لاغتيال الإمام الخامنئي، ليست كذلك. ويمكن اعتبار الثأر جزءاً منها. غير أن الجزء الأكبر هو اتفاق كامن بين إيران وحزب الله على أن يكون وقف إطلاق النار ، حين ينضج، يعنيهما معاً، ويُطبّق عليهما معاً، وإلا فلن يكون وقف للنار.
العناد الإيراني على رفض طلبات وقف النار من الجانب الأميركي، متصل بنظرة الجمهورية الإسلامية إلى نفسها وإلى حزب الله اليوم وهُما “يدافعان عن وجودهما”..لأمرٍ غاية في الاهمية هو أن السنة وثلاثة أشهر الماضية كانت صعبة على لبنان – ومقاتلي الحزب والبيئة الشيعية في القتل والتدمير اليومي من الطيران الاسرائيلي، وقد بقي الحزب صامتاً صابراً متحملاً.. وكانت إيران متوترة من هذا الواقع. لكنْ لكل شيء حدود.
الحدود رسَمها الحزب مع إيران، بناء على تراخي الدولة اللبنانية برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وطقم سياسي كامل العدة والعتاد كان يمارس ليس تهويلاً ضد الحزب، فحسب، وتحدياً، ومحاولات خنق مالي، بل انخرطوا في الشروط الأميركية فصدرت قرارات ضد الحزب ومقاتليه، كادت يشمل البيئة الشيعبة. ولولا ذكاء قيادة الجيش في التأني والهدوء في التنفيذ لكان لبنان اليوم في مكان آخر حرّض عليه الجميع، وكانت أميركا وإسرائيل تدعمان الدخول فيه لإحداث صدام كبير بين الحزب والجيش لإظهار حزب الله خارجاً على القانون بالمَرّة كيف لا وقد “اصطدم وربما قتل جنوداً من جيش بلاده” …وهذه مَقتَلة له.
حزب الله يئس من الدولة اللبنانية، بجوزف عون ونوّام سلام والحكومة، كون الجميع كانوا “مرتاحين” تماماً لأفاعيل إسرائيل اليومية بالحزب وبالشيعة. وبحَث عن الحلّ الذي وجده في استعداد إيران للحرب المفروضة ( والمنتظرة)عليها. فرأى أن انخراطه فيها سيزيد الألم على الشيعة لأيام، لكنه سوف يكبّر الحَرب، بحيث حين تتدخل دوَل كبرى ( كان منتظراً طبعاً أن تتدخل في مفاوضات لإنهاء الحرب) يكون لبنان طرفاً في وقف النار، بشرط إيراني واضح هو وقف الحرب على لبنان أيضاً، وتنفيذ القرار ١٧٠١ كلياً وليس على مزاج إسرائيل و”تشجيع” الدولة اللبنانية الضمني لها، أو العمل على استصدار قرار آخَر يلزم الجميع بوقف القتال والأعمال العدائية وعودة المهجرين إلى الجنوب والضاحية بلا أي تهديدات يومية فظيعة !
كان يعرف الإيراني، بما استعدّ له، أنه سيصمد وسينتصر في الحرب، وهذا ما يبدو.. كما كان يعرف أنه سيصل إلى مرحلة يستطيع فيها تأخير وقف النار المطلوب دولياً، لإخراج لبنان المقاومة من عنق زجاجة ١٧٠١ .
نحن في قلب الحرب التي يُرَجح توقفها بين يوم وآخَر حسب المناخات الداخلية الأميركية والاسرائيلية التي باتت معروفة. ووقف النار الذي يشمل لبنان موجود على الطاولة ولو من دون طنطنة إعلامية.وربّما تأخّرُ نتنياهو في البتّ به، وممانعةُ إيران السير بوقف النار بلا لبنان.. من أسباب عدم انجلاء حقيقة المداولات بكل ما يجري حالياً .
دواعي ارتباط الموقف بين إيران ولبنان في هذه المرحلة أكثر من مهمة، تحديداً لبيئة الشيعة التي كانت لها أسئلة في السنتين الأخيرتين عن “تحييد” إيران نفسها خلال الحرب السابقة على بلدنا. الآن اختلف الوضع تماماً، والارتباط قوي، وأي انزلاق لقبول إيران وقف النار معها فقط، يعني وضع حزب الله والشيعة في منتصف الطريق وترْكهم للغول الإسرائيلي يعيث فساداً باستفرادهم والتنكيل أكثر بهم، وفتحَ المجال أكثر فأكثر للدولة اللبنانية للركوع المذلّ الذي تمارسه حالياً في قرارات التفاوض تحت النار المدمّرة، على أساس ” لا خيار آخَر” والقبول بالمعروض عليها، ولتحميل الحزب بعد ذلك كل القرارات والاتفاقات التي يمكن أن يرتكبها عَون ونوّام سلام والحكومة في المفاوضات. والذريعة: شو فينا نعمل غير هيك لنوقف القصف”.. وهناك أصوات صاحت بهذا التوجّه الذي له طعم الخيانة، في النهاية.
قلتُ ولا أزال أقول: اشتدّي أزمةَ تنفرجي.. وعندها سنشهد الوفود والرؤساء داخلياً وخارجياً يركضون مجدداً نحو منقذهم الرئيس نبيه برّي، وستعود كلمة” الثنائي” تتردد في كل اتجاه. وهذا هو سبب انكفاء برّي نسبياً في هذه المرحلة، وتركهم يُخبّصون ليصطدموا ببعضهن وبالخارج هنا وهناك وهنالك. وحالُه حال هارون الرشيد الذي قال للغيمة فوقه: اذهبي أنّى شئتِ فإن خِراجك سيعود إليّ .
فهل يمكن أن يحدُثَ ما ليس في الحسبان بأن تعترض الدولة اللبنانية بفخامته ودولة النوّام وحكومتهما على وقف النار لأنه شرط إيراني.. (وهُما يعتبران إيران عدوّاً واضحاً) ويطلبان استمرار الحرب حتى”إنهاء” المقاومة، وبظَهْرها الشيعة، ليعيش الفينيكيون اللبنانيون مسيحيين ومسلمين”كم يوم متل الخَلْق”…
ذلك أن فرصة الخلاص الجذري من حزب الله لاحت لهم في هذه الحرب. ووقفُ النار بنجاح هذا السيناريو يُعَدّ انتصاراً له في منع تصفيته وتجديد حضوره في الدولة اللبنانية… وتالياً ستذهب أي حلول تُطرح من دون وجهة نظره في مهب الرياح؟
فهل نخجل من قَوْل : نَعيماً !
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
