بساتين الحيرة “قصة قصيرة”

قاسم عبدالعزيز محمد قاسم عبدالعزيز الدوسري

في أزقة مدينةٍ قديمة تشبه خيالات الشعراء، كان يعيشُ شيخٌ يُدعى “صاحبُ الموازين”. لم يكن يزن الذهب أو الحرير، بل كان يقضي يومه في حانوتٍ صغيرٍ مرصوفٍ بكتبِ الحكمة، يستقبلُ التائهين الذين أضاعوا بوصلةَ اليقين.
​ذات فجر، دخل عليه شابٌ يلهث، يُلقي بأسئلته كما يُلقي المرءُ حجارةً في بئرٍ عميقة، يظن أن كثرة الكلام تُدني من شاطئ الإجابة. نظر إليه الشيخ بهدوء، ثم أخرج من خزانته صندوقاً خشبياً قديماً، وقال له:

​”يا بني، إنَّ السؤال ليس نباتاً طفيلياً ينبتُ مصادفةً على قارعة الطريق، بل هو ثمرةٌ غامضة لا تنضجُ إلا في بساتين الحيرة.”

​فتح الشيخ الصندوق، ففاحت منه روائح متباينة، وأشار إلى قارورة صغيرة:
“هذا هو السؤال المرّ؛ إنه الجذر الذي يُقتلعُ من تربة اليقين القديم. حين تطعمه، سيترك في فمك طعم الشك، لكنه وحده من يوقظ في روحك عطش المعرفة الحقيقي.”
​ثم أشار إلى ثمرةٍ خضراء لم تكتمل:
“وهذا هو السؤال الحامض؛ كفاكهةٍ لم تُكمل شمسها. إنه يعصرُ فكرك، يزعجك، لكنه يترك عقلك يقظاً كأن نافذةً فُتحت فجأةً في رأسك لتهبَّ منها رياح الحقيقة.”
​سكت الشيخ قليلاً، ثم وضع في يد الشاب قطرةَ عسلٍ صافية:
“أما هذا، فهو السؤال الحلو. إنه يسقط من خلية الحكمة، يذوب ببطء في وعيك، حتى تكتشف في النهاية أن الإجابة لم تأتِ مني، بل كانت تنام في داخلك منذ البدء، تنتظر فقط مَن يوقظها.”
​ارتعدت يد الشاب، فأكمل الشيخ وصيته:
“لا ترمِ سؤالك يا بني كما يرمي الأعمى حجراً في زحام الكلام. السؤال الدقيق هو المفتاح الوحيد الذي يعرف كيف يوقظ الأبواب المغلقة. اصقله كما يُصقل الضوء في عين الفجر، وزنه بميزان الذهب، فالسؤال المرتبك ليس إلا ضباباً يمرُّ على المعنى دون أن يراه.”
​خرج الشاب من الحانوت، ولم يعد يلقي الكلام جزافاً، بل صار يمشي في طرقات “المعنى” بصمت، يحمل في صدره بستاناً من الحيرة، ويصقل كل سؤالٍ يولد فيه، حتى صار كل حرفٍ ينطقه.. مفتاحاً لبابٍ جديد.

 

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …