إيران… من “عشرة الفجر” إلى إفشال محاولات الانقلاب.. الثورة التي لم تُكسر..!

عدنان علامه -عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

في الأول من شباط 1979، حطّت طائرة الإمام روح الله الخميني في مطار مهرآباد، فيما كانت التهديدات تتطاير بإسقاطها. نام الرجل في الطائرة، كأنما كان ينام على يقين التاريخ. لم تكن عودة من منفى، بل عودة فكرة إلى شعبه.

ومن قلب “عشرة الفجر” سقط الشاه، وتهاوى السافاك، وارتفعت من أسطح طهران هتافات “الله أكبر” لتعلن أن زمن التبعية انتهى.

“ثورة الكاسيت” لم تكن مجرد حراك سياسي؛ بل كانت تمرّدًا حضاريًا على معادلة “شرطي الخليج” والعصا الغليظة الأمريكية في المنطقة. ومن باريس أدار الإمام المعركة بالكلمة، حتى إذا نضج القطاف، عاد ليؤسس أول دولة حديثة ترفع شعار: “لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية”.

لم يكن الشعار مناورةً ظرفية، بل إعلان إستقلال إستراتيجي عن قطبي العالم.
وجاء الاستفتاء الشعبي ليمنح الجمهورية شرعيتها بنسبة كاسحة، مثبتًا أن فكرة الدولة الإسلامية لم تعد تنظيرًا فقهيًا، بل واقعًا سياسيًا.
منذ اللحظة الأولى، بدأت المواجهة: حصار، عقوبات، حرب مفروضة استمرت ثماني سنوات، حاولت كسر الإرادة الإيرانية عبر استنزاف الدم والاقتصاد. لكن الجمهورية خرجت من الحرب أكثر صلابة، وأعادت بناء ذاتها، وطورت قدراتها العلمية والتكنولوجية والعسكرية، حتى أصبحت لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه.

وفي أول قرار سيادي، أُغلقت إيران سفارة إسرائيل وسلّمتها لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأُعلن يوم القدس العالمي في آخر يوم جمعة من شهر رمضان المبارك، لتبقى فلسطين في قلب هوية الثورة.

غير أن الصراع لم ينتهِ.
وفي حزيران 2025، شهدت إيران تصعيدًا خطيرًا تمثل في ضربات عسكرية نُسبت إلى تنسيق أمريكي–إسرائيلي، تزامنت مع اضطرابات داخلية مسلحة وأعمال تخريب استهدفت مؤسسات عامة وأمنية. أعلنت السلطات تفكيك شبكات مرتبطة بالخارج، ومصادرة تجهيزات إتصالات أمريكية نوع ستارلينك، وذخيرة وأسلحة إسرائيلية، مؤكدة أن الهدف كان إسقاط النظام عبر الجمع بين الضغط العسكري والفوضى الداخلية.
ثم عادت موجة الاضطرابات في كانون الثاني 2026، حيث استُغلت مطالب اجتماعية لتحويلها إلى صدامات وأعمال عنف، قبل أن تُعلن الدولة السيطرة على الوضع.

وبينما نفت واشنطن أي تورط مباشر في أعمال عنف، بقي الإتهام السياسي قائمًا، في ظل خطاب أمريكي داعم للاحتجاجات ومتصاعد النبرة.

تقول طهران إن ما جرى كان محاولة انقلاب مزدوجة خلال أقل من عام. ويقول خصومها إن المشهد الداخلي أعقد من رواية واحدة. لكن الثابت أن الدولة لم تسقط، وأن البنية السياسية لم تنهَار، وأن الصراع دخل مرحلة جديدة من المواجهة المركّبة: عسكرية، سيبرانية، اقتصادية،سياسية وإعلامية.

اليوم، وبعد مرور 47 عامًا على إنتصار الثورة، تجد إيران نفسها تستعيد مشهد “عشرة الفجر”، لا بوصفه ذكرى احتفالية فقط، بل كرمز لصمود مشروعٍ لم يُكسر رغم الحصار والحروب والاضطرابات.

فإيران التي أسقطت الشاه ليست دولة وُلِدت صدفة، بل مشروع تشكّل في النار.
جُرِّبَت عليها الحرب، فجعلتها أكثر صلابة.

فُرِضَ عليها الحصار، فحوّلته إلى حافز للاعتماد على الذات.
وحين راهن خصومها على الفوضى، إكتشفت أن جذورها أعمق من أن تُقتَلع عاصفة، مهما كانت شِدَّتُها.

فمن “ثورة الكاسيت” إلى صواريخ الفضاء،
ومن هتاف “الله أكبر” فوق أسطح طهران إلى المواجهات المعقّدة في القرن الحادي والعشرين،
بقيت المعادلة واحدة: إرادة سياسية تعتبر نفسها امتدادًا لثورة لم تنتهِ بعد.
قد تتبدل الأدوات، وتتغير ساحات الصراع،
لكن السؤال الذي طُرح عام 1979 ما زال قائمًا:
هل يمكن لمشروعٍ أعلن استقلاله الكامل أن يُسمح له بالعيش دون صدام؟
التاريخ لم يُجب بعد…
لكن المؤكد أن الجمهورية التي وُلدت في “عشرة الفجر”؛ أثبتت أنها تعرف كيف تعبر العواصف، لتستمر برعاية الله سبحانه وتعالى لتسلم الراية إلى صاحب العصر والزمان عجَّل الله فرجه الشريف، “أرواحنا لمقدمه الفداء”.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

12 شباط/فبراير 2026

شاهد أيضاً

يران تفرض شروطها في التفاوض مع واشنطن..من اجل رسم ملامح الشرق الأوسط

إ 🖊️ *حميد عبدالقادر عنتر* إذا كانت الجمهورية الإسلامية تتفاوض مع واشنطن باسم كل دول …