*✍️ يوسف أبو سامر موسى*
في السياسة الدولية مفارقاتٌ يصعب على العقل تقبّلها، لكنها تتكرر حتى تكاد تصبح جزءاً من المشهد المعتاد. غير أن بعض المفارقات يتجاوز حدود الدهشة ليبلغ مستوى الصدمة، حين يتحول قادة الحروب إلى دعاة سلام، ويجلس من ارتبط اسمه بواحدة من أكثر الحملات العسكرية إثارةً للجدل في العصر الحديث على طاولةٍ يُفترض أنها مخصّصة لإنهاء النزاعات لا لتجميلها.
إن ظهور بنيامين نتنياهو في إطار مبادرات تُرفع تحت عنوان «السلام» يفتح الباب أمام سؤال أخلاقي وسياسي عميق: هل يمكن أن تنجح أي منظومة دولية في إقناع العالم بصدقيتها، بينما صور الدمار في غزة ما تزال حاضرة في الذاكرة العالمية، وعدد الضحايا المدنيين يشكّل مادةً دائمة للنقاش والاتهامات في المحافل الدولية؟
ليست المشكلة في إنشاء المجالس أو إطلاق المبادرات، فالتاريخ السياسي مليء بهياكل وُلدت من رحم الأزمات. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في الفجوة بين العنوان والمضمون؛ بين خطابٍ يتحدث عن الاستقرار وواقعٍ ما زالت فيه الأرض مثقلةً برائحة البارود. فالسلام لا يُقاس بعدد البيانات ولا بحجم التصفيق الدبلوماسي، بل بقدرته على وقف المأساة ومنع تكرارها.
يرى منتقدون أن انضمام شخصيات مثيرة للجدل إلى أطر تحمل طابعاً إنسانياً قد يبدو محاولةً لإعادة صياغة الصورة السياسية أمام الرأي العام العالمي، خاصة في زمنٍ باتت فيه المعركة على السردية لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. فالدول لا تسعى فقط إلى تحقيق انتصارات ميدانية، بل إلى كسب معركة الشرعية الأخلاقية أيضاً.
وفي قلب هذا المشهد، يقف العالم منقسماً بين من يواصل دعم الرواية الأمنية والسياسية لإسرائيل، ومن يطالب بمساءلةٍ أكبر حول استخدام القوة وحدودها، خصوصاً عندما يكون المدنيون في دائرة الخطر. هذا الانقسام لا يعكس خلافاً سياسياً فحسب، بل يكشف أزمةً أعمق في بنية النظام الدولي ومعاييره المزدوجة، حيث تبدو العدالة أحياناً خاضعةً لموازين النفوذ لا لثبات المبادئ.
أما الولايات المتحدة، التي غالباً ما تقدّم نفسها راعياً للمبادرات الكبرى، فتجد نفسها مجدداً تحت مجهر الانتقاد. فبين خطاب الدفاع عن حقوق الإنسان وبين حسابات المصالح الاستراتيجية، تتسع المسافة التي يراقبها العالم بقدرٍ متزايد من الشك. وفي زمن الاتصال المفتوح، لم يعد ممكناً احتواء الأسئلة الصعبة أو تأجيلها.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس مجرد استمرار الصراع، بل احتمال تحوّل مفردة «السلام» إلى أداةٍ سياسية تُستخدم لاحتواء الغضب الدولي لا لمعالجة جذور الأزمة. فالتاريخ يعلّمنا أن السلام الذي لا يقوم على العدالة يبقى هشّاً، وأن تجاهل الألم لا يلغي وجوده بل يؤجّل انفجاره.
من هنا، تبدو البشرية أمام اختبارٍ جديد لضميرها الجماعي: هل السلام مشروعٌ حقيقي يُبنى على حماية الإنسان وكرامته، أم أنه عنوانٌ قابل لإعادة التدوير وفق ضرورات السياسة؟ وهل تستطيع التوقيعات أن تطوي صفحاتٍ ما زالت سطورها تُكتب بالمعاناة؟
قد تنجح الدبلوماسية أحياناً في إعادة ترتيب المشهد، لكنها تعجز عن محو ذاكرة الشعوب. فالأمن لا يولد من القوة وحدها، والاستقرار لا يُفرض من طرفٍ واحد، والسلام الحقيقي لا يبدأ على الطاولات بقدر ما يبدأ حين تتوقف المآسي على الأرض.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى السؤال معلقاً في وجدان العالم: هل يمكن فعلاً أن يُغسل الدم بالتوقيعات، أم أن العدالة وحدها هي الطريق الوحيد نحو سلامٍ لا يشبه الهدنة
*✍️ يوسف أبو سامر موسى باحث سياسي/ فلسطين*
*الخميس 12 شباط 2026*
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
