د. مريم حسين شريف
( هذا ليس تنظيرًا… بل خلاصة تجربة وتأمل في واقعنا العربي…) 👌🏻👌🏻👌🏻
– الاقتصاد وحده لا ينهض بالأوطان…
ليس الاقتصاد محرّك التاريخ الأوحد ولا ميزان النهضة النهائي مهما بدا في الأرقام والجداول دليلاً على التقدّم فالمال ، كما قال ابن خلدون ( غاية في ذاته لا في جوهره ) وما لم يُحاط بعمران العقل والأخلاق تحوّل إلى قوة عمياء تستهلك ذاتها ….
لقد ظنّت أمم كثيرة أنّ تراكم الثروة كفيل بصناعة الحضارة فاكتشفت متأخرة أنّ الوفرة بلا وعي تُنتج هشاشة وأنّ الازدهار بلا ثقافة يُراكم الفراغ فالتقدّم الحقيقي ليس في حجم الناتج القومي بل في نوعية الإنسان الذي يصنعه ، ولا يمكن فهم انحدار الاقتصاد بمعزل عن انحدار المجتمع نفسه فالاقتصاد في جوهره مرآة لوعي الناس وانعكاس لطريقة تفكيرهم وسلوكهم وقيمهم ، حين يسود الجهل لا يضعف التعليم فقط بل تنهار المعايير وتتآكل الثقة ويُستبدل الاجتهاد بالمحسوبيّة والكفاءة بالولاء والعمل بالتحايل ، في بيئة كهذه ، يصبح الفساد نمطاً ، والركود قدراً والتراجع مساراً طبيعياً …
والجهل لا يعيش وحده بل يتكاثر عبر أخيه التوأم ( التعصّب ) فحيث يضعف العقل ، يتضخّم الانتماء الأعمى وحيث يغيب السؤال ، يحلّ اليقين الزائف ، والتعصّب بكل أشكاله ليس مجرّد موقف فكري بل عائق حضاري يمنع المجتمع من مراجعة ذاته ويغلق أبواب الحوار ويحوّل الاختلاف إلى صراع والتنوّع إلى تهديد …وفي مجتمع يخاف من الاختلاف يموت الإبداع قبل أن يولد وتُخنق الأفكار قبل أن تنضج …
يرى مالك بن نبي أنّ ( مشكلة الحضارة ليست في الفقر المادي بل في الفقر الفكري ) وأنّ الأمم لا تسقط حين تفقد مواردها بل حين تفقد قدرتها على التفكير ، فحين يتراجع العقل ، يصبح الاقتصاد تابعاً لا قائدًا ، ونتيجة لا سبباً …
أما طه حسين ، فربط النهضة بالمعرفة حين قال : ( التعليم كالماء والهواء ) مؤكداً أنّ المجتمعات التي لا تستثمر في العقل لن تنجح في استثمار المال ، فالثروة بلا تعليم تُنفق ، ولا تُنتج …
وفي السياق العالمي يؤكّد يورغن هابرماس أنّ التنمية لا تكتمل إلا حين تُبنى على ( عقل تواصلي ) يرسّخ الحوار والعدالة والمشاركة ، فاقتصاد بلا ديمقراطية فكرية ، يتحوّل إلى أداة هيمنة لا نهضة …
كما يرى أمارتيا سن أنّ التنمية ليست زيادة الدخل بل ( توسيع خيارات الإنسان وحريته ) فالإنسان هو غاية التنمية ووسيلتها ، لا رقم في تقرير …
ومن هنا فإنّ معركة النهضة الحقيقية تبدأ من تفكيك منظومة الجهل ، وتجفيف منابع التعصّب ، وبناء عقل نقدي قادر على الفهم قبل الحكم ، وعلى الحوار قبل الإدانة ، فحين يتحرّر العقل من الخوف ، تزدهر المعرفة ، وحين تزدهر المعرفة ، يستقيم الاقتصاد … الإبداع لا ينمو في بيئة منغلقة ، والعلم لا يترسّخ في مجتمع يخشى السؤال …
ولا يستقيم حديث عن نهضة داخلية ، من دون وعيٍ بأهمية التعاون بين الدول ، بوصفه امتداداً طبيعياً لنضج المجتمعات لا بديلاً عنه …فالعلاقات بين الأمم ، تُبنى أولاً على المصالح الاقتصادية المتبادلة ، وعلى منطق التكامل لا التنافس الأعمى ، وعلى الشراكة لا الاستعلاء …
غير أنّ هذا التعاون كثيراً ما يُفرَغ من مضمونه ، حين يُلوَّث بتعصّبٍ مستتر ، يتخفّى خلف شعارات الهوية والخصوصية والتميّز ، بينما هو في حقيقته نتاج جهلٍ خائف من الانفتاح ، ووعيٍ هشّ يظنّ الانغلاق رُقياً ، والانعزال سيادة ، ورفض الآخر قوة فيتحوّل ما كان جسراً للتكامل ، إلى جدارٍ للعزلة …
فالدول التي تبني علاقاتها على العقل الاقتصادي المنفتح لا على العصبيات الضيّقة هي وحدها القادرة على تحويل الجغرافيا إلى فرصة والتنوّع إلى ثروة والاختلاف إلى محرّك إبداع ، أمّا المجتمعات التي تلبس جهلها ثوب التفوّق فإنها تحكم على نفسها بالبقاء خارج حركة التاريخ …
الوطن في جوهره ليس سوقاً ولا ميزانية ، بل منظومة قيم ومعرفة وثقة ، هو مدرسة تصنع مواطناً وجامعة تصنع باحثاً وإعلام يصنع وعياً وأسرة تصنع إنساناً …
ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن ينجح دون تمكين المرأة ، لا بوصفه شعاراً ، بل باعتباره شرطاً حضارياً ، فكما قال قاسم أمين : ( تقدّم الأمة من تقدّم نسائها ) مجتمع يعطّل نصف طاقته محكوم بنصف نهضته …
والرجل أيضاً حين يُربّى على المسؤولية لا الامتياز وعلى الشراكة لا الهيمنة يصبح شريكاً في البناء لا عائقاً أمامه …
أما الأجيال فهي الامتحان الحقيقي لكل خطاب نهضوي فإمّا أن نربّي جيلاً قادراً على السؤال والنقد (الراقي ) والإبداع ، أو نعيد إنتاج التخلف بأدوات حديثة …
يقول علي عزّت بيغوفيتش : ( التقدّم المادي بلا روح هو طريق سريع إلى الانهيار ) …
من هنا فإنّ النهضة ليست مشروع وزارة اقتصاد بل مشروع مجتمع …
الاقتصاد ضروري ، نعم . لكنه وسيلة لا غاية …قاعدة لا سقف ، أداة لا روح … والأوطان لا تُبنى بالأرقام وحدها بل بالعقول الحرّة والضمائر الحيّة والثقافة العميقة والعلم المسؤول والمجتمع المتضامن …
حينها فقط يتحوّل المال إلى حضارة والتنمية إلى كرامة والدولة إلى وطن …
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
