ضحى شمس
أطلّت برأسها من الباب الذي فتحته قليلاً، ثم دارت بعينيها الواسعتين مُستطلعة المكان، ثم سألت بالفرنسية: أين أجد ضحى شمس؟
كان ذلك منذ ما يقارب العقود الثلاثة في صحيفة السفير. وقفتُ كإجابة، لكن مُستفهمة عمّن تكون؟ عندها فتحت الباب بكامله ودخلت. اقتربتْ بشعرٍ لافت الطول وابتسامة واسعة وهي تمدّ يدها للمصافحة: مارينا دا سيلفا، صحافية.
قالت إنّ جوزيف سماحة، مدير تحرير “الجريدة” في ذلك الوقت، أخبرها أني أراسل جريدة “لومانيته” الفرنسية، وأرادت أن تسأل إن كان ذلك صحيحاً.
أجبتها إنّ عملي معهم “على القطعة”، كما يُقال بلغة المهنة، ولست مراسلتهم الثابتة، وإني ألبّيهم وفق وقتي واهتماماتي. لكنها دقّقت: أي إنك لا ترسلين لهم أيّ مواد ثقافية؟ أجبتها بأنّي قد أفعل لو طلبوا مني ذلك، وقد لا أفعل.
لم أفهم كثيراً أسباب تساؤلاتها تلك، لكني أجبت احتراماً لأستاذي الذي أرسلها. ثم قالت إنّها صحافية حرّة هي الأخرى، وإنها تتعاون مع مجلة “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية من وقت لآخر، إضافة إلى كونها ناقدة مسرحية، اكتشفت فيما بعد أنّها من أهمّهم. أعربتْ عن تمنيها أن نلتقي لو زُرت باريس، ثم تصافحنا وذهبت.
لكن القصّة لم تنتهِ هنا.
بعد عدّة أيّام، تلقيت اتصالاً من مدير التحرير في صحيفة “لومانيته” يُخبرني فيه أنّه “أكل بهدلة مرتبة” بسببي من مارينا دا سيلفا، لكونه كلّفها بمواد من بيروت بمناسبة رحلتها تلك، وأنّها، كما قالت له، “اكتشفت” أنّ لديهم صحافية محلية مُتعاونة في بيروت، ولو أنّها غير ثابتة. ولذا، وبّختهم ورفضت الكتابة، مُعتبرة أنّ تكليفهم لها “من خلف ظهري” بمثابة خيانة لزميلة صحافية، وأنّ هذا ضدّ مبدأ التضامن المهني.
بُهِت! ما هذا؟ من أيّ كوكب هي هذه الفتاة؟ أهذا صحيح؟ هناك أشخاص يؤمنون بهذه القيم ويطبقونها فعلاً؟ تكاد القصة تكون نوعاً من خرافة مهنية!
عبثاً شرحت للمدير أنّي أوضحت للزميلة دا سيلفا، أنّي لست مراسلتهم الثابتة، لكنه قال شيئاً بما معناه أنّ ذلك لا ينفع “لأنها مارينا”!
هكذا، وبعد أن اعتدت الخيانات في الشخصي والمهني، ونسجت درعاً واقياً من حذر وظن وتشكيك احتياطي، إذ بمارينا تظهر.
أصبحنا أصدقاء، طبعاً. وقد قادتني من يدي لأكتشف معها دوائر من شبيهين لها لم يُتح لي في أثناء إقامتي الطويلة هناك أن أحتكّ بهم. غالبيتهم من جيل فيتنام أو المناضلين الأمميين ممن لا يؤمنون، لا بالحدود، ولا الهُويّات، كحواجز تَحول دون التضامن بين الناس، والأهم، ربطوا في ذهني بين الأخلاق والممارسة السياسية والمهنية في الحياة اليومية.
كنت بمرور الوقت، أكتشف دوماً شيئاً جديداً في شخصية مارينا، تمامًا كدمية “ماتريوشكا” الروسية التي تخبّئ داخلها “ماتريوشكات” كثيرة. هكذا، اكتشفت فيما بعد أنها، إضافة إلى عملها ناقدة مسرحية يُخشى قلمها، صحافية مُتمكّنة ومعلّمة يوغا، كانت أيضاً تلعب في السيرك من وقت لآخر بهلوانية!
كان ذلك حين استيقظت يوماً، وكنت أُقيم عندها، وإذا بي أُفاجأ بشخص يتدلى مقلوباً من السقف وقد طوى ساقيه مُتعلّقاً بدائرة معدنية مثبتة. قفزت إلى الخلف بداية، ودقّ قلبي من الخوف، لكن رؤية الشعر الطويل يتدلى بدوره سكّن روعي. ضحكت هي قائلة إنّها تتدرّب على “نمرتها” في السيرك للعرض المُقبل. كنت مبهورة.
ومارينا هي التي أرجعتني إلى باريس في رحلتي الأخيرة، رغم مقاطعتي للمدينة لتراجعها الهائل. لقد أصيبت مارينا بسرطان المخ.
كان وضعها ميؤوساً منه كما أخبرتني بأسلوب أربكني كثيراً. كانت تتحدّث عن الموضوع بحزن لا شك، ولكن بنوع من القبول كان صعباً عليّ استيعابه.
في لقائنا الأخير، وبّختني قليلاً لأنّني كنت أحاول مُرتبكة تجاهل أنّ لقاءنا هذا كان بمثابة وداع أخير. كان إنكاري لحتمية النهاية نوعاً من تعبير عن الحبّ وإيماناً فارغاً بأنّ الحياة ستفاجئنا بمعجزة ما، وهو ما أثار استياءها، ربّما خوفاً عليّ.
هل كنت أراهن على معجزة، أم كنت أحمي قلبي من آلام جديدة؟ الأرجح الاحتمال الثاني. لقد قرّر لاوعيي منذ فترة أن أتلقى أخبار موت الأحبّة كما لو كانت أخبار هجرة. هم على مقربة، لكنّهم قرّروا تغييب أنفسهم وعدم الرد على الهاتف كما لو أنهم ليسوا هنا، وكفى. لا أسباب ولا شرحاً. تماماً كما فعل زياد في السنوات الأخيرة.
عدت إلى بيروت على أمل أن أعود فأراها مرّة أخيرة بعد شهرين. ودّعتها.
لكن آلان، صديقنا المُشترك، اتصل ليقول إنّها دخلت المستشفى، ودخولها، الذي قرّرته هي بنفسها، كان لتسهيل رحيلها من دون آلام، فقد تفاقم المرض بسرعة مُخيفة.
اقترب موعد طائرتي، لكن رسالة أخرى وصلت إليّ من صديقتنا المشتركة سهى بشارة: “مررت أمس على العيادة لأودّع مارينا. هي حاضرة غائبة تجهّز نفسها لإطلاق النفس الأخير. معه، سننطلق في حيواتنا اليومية مزوّدين بذكريات وجدت بفضلها”. تسمّرت في مكاني. مارينا تموت فعلاً، فسهى من تقول. وسهى لا تثرثر. ساعات ووصلت الرسالة الثانية من سهى: “رحلت هذه الليلة مارينا دا سيلفا تاركة الكثير من الذكريات مطبوعة بكلمة فلسطين”.
بين الرسالتين، قضيت ليلة غاضبة. تذكّرت محاولاتها في لقائنا الأخير لجعلي أتقبّل الواقع. ماذا يُقال لإنسان يقول لك إنّه سيموت حتماً بعد قليل؟ تذكّرت تعبيرها حين غامت عينيّ إنذاراً بمطر من دموع وشيك: انحنت بابتسامتها أمام وجهي المُنكّس فوق فنجان الشاي البارد في المقهى لتقول: سنبكي قليلاً إذاً؟
وبكيت. لكنها ما لبثت أن أخرجت من جيبها كيساً صغيراً من الورق ألصقت عليه شريط هدايا! بهتّ! “لا تقولي لي إنّك اليوم أيضاً اشتريت لي هدية؟”. فقد اعتادت مارينا أن تحمل لي معها هدية في كلّ مرّة ألتقيها، أو ترسلها مع أيّ قادم إلى بيروت. “بالطبع”، تقول مع ابتسامة سرور.
أعاتبها، لكني أفتح الكيس تحت عينيها المترقّبتين مفاجأتي، فيسقط سوار من صنع يدوي مع أقراطه. قالت إنّها اشترته من مجموعة نساء لم أعد أتذكّر لم كنّ يُناضلن.
كان كلّ تصرّف تقوم به مارينا يكون غالباً في سياق مُسيّس: دعم نضال النساء المهاجرات، حرية لبس الحجاب، جورج إبراهيم عبد الله، فلسطين الثابتة كنجمة الصبح أمامها، غزّة التي قهرتها، شباب الضواحي المُهملة، الوافدون غير الشرعيين، والذين لا يملكون أوراقاً ثبوتية، تمويل عطلات لأطفال فلسطين، النضالات العمالية، مناهضة الإسلاموفوبيا، إلخ.
كانت تتابع أخبار المنطقة بتفاصيلها، وكانت خلال السنتين الأخيرتين خصوصاً، حاضرة للمساعدة في أيّ أمر يخصّ أهل الجنوب وغزّة، إن كان مادياً أو معنوياً.
أعادت مارينا ثقتي بالنفس البشرية. وككلّ البشر، ماتت مارينا. لكنها عكس الكثيرين، رحلت إنسانةً. وهذا فارق كبير اسمه في قلبي: هدية مارينا.
@@followersDDalia ChamsSamar Alattafi
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
