
بقلم : أمين السكافي
في لبنان، لا تولد المذهبية مع الإنسان، بل تُغرس فيه كما تُغرس العادة القديمة في الجسد حتى تصير عظمًا إضافيًا، أو مرضًا مزمِنًا لا يُرى في الصور الشعاعية لكنه ينهش ببطء. هنا، لا يكون المذهب مجرد انتماء روحي أو تراث ديني، بل يتحول إلى وطنٍ بديل، وإلى جغرافيا نفسية أضيق من الحلم وأقسى من الحقيقة.
المواطن اللبناني، في لحظة صدقه القاسية، لا يسكن دولة بل يسكن طائفة. يحمل هويته الرسمية في جيبه، لكنه يحمل هويته الحقيقية في صدره، محفورة باسم المذهب. رئيس الجمهورية؟ سؤال مؤجل. أما زعيم الطائفة فحاضر في الوعي كما تحضر الأبوة القسرية: يخطئ فيُبرَّر، ينهب فيُقدَّس، يخذل فيُغفَر له باسم “الحقوق” و“الخصوصية” و“الخطر الوجودي”.
المذهبية ليست رأيًا، إنها طريقة تفكير مغلقة، نظارة معتمة يرى من خلالها اللبناني كل شيء: الوطن، الاقتصاد، الحرب، السلم، حتى الخبز والكهرباء. لا يُسأل القرار: هل ينقذ البلد؟ بل: هل يخدم المذهب؟ لا تُقاس الخسارة بمعايير الوطن، بل بحجم الضرر الذي قد يصيب “الجماعة”. وهكذا، يصبح خراب الوطن تفصيلًا مقبولًا، ما دام بيت الطائفة واقفًا—ولو على أنقاض الجميع.
الأكثر إيلامًا أن المذهبية لا تسقط أمام الثقافة. قد يحمل المواطن أعلى الشهادات، يقرأ الفلسفة، يتحدث عن الحداثة والعقد الاجتماعي، لكنه ما إن يُمسّ مذهبه حتى ينكفئ العقل، وتنهار اللغة، ويتقدم الغريزي على الإنساني. تتوقف الثقافة عند باب الطائفة كما تتوقف الأخلاق عند أول اختبار للانتماء الأعمى. في تلك اللحظة، لا يعود المثقف مثقفًا، بل محامي دفاع عن وهمٍ ورثه ولم يختره.
المذهبية مقيتة لأنها تُحوِّل الاختلاف إلى عداوة، والذاكرة إلى سلاح، والتاريخ إلى محكمة ثأر مفتوحة. تثير الاشمئزاز لأنها تُفرغ الدين من معناه الروحي، وتحوله إلى بطاقة حزبية، وإلى مبرر دائم للخوف والكراهية. تُقنع الفرد بأن نجاته لا تكون إلا بسقوط الآخر، وبأن العدالة مؤجلة إلى ما بعد “الاستحقاق الطائفي”.
وفي هذا المناخ، يتآكل المواطن من الداخل. ينخر التعصب في عظامه كما ينخر الصدأ في الحديد: بطيئًا، صامتًا، حتميًا. يفقد ثقته بفكرة الوطن، ثم بفكرة القانون، ثم بفكرة الإنسان الآخر. يصير مستعدًا لتبرير كل شيء: الفساد إذا كان “لنا”، القتل إذا كان “دفاعًا”، الكذب إذا كان “مصلحة”. هكذا تُغتال القيم باسم الحماية، وتُشنق الحقيقة على حبال الخوف.
لبنان لا ينقصه الذكاء ولا التنوع ولا التاريخ، ينقصه الشجاعة الأخلاقية: شجاعة أن يقول المواطن “أنا قبل المذهب”، وأن يعترف بأن الزعيم ليس قدرًا، وأن الوطن ليس حصصًا. ينقصه أن نعيد الدين إلى مكانه النبيل في الضمير، لا في سوق السياسة. وأن نفهم—أخيرًا—أن المذهبية حين تحكم، لا تنتصر طائفة، بل يخسر الجميع.
المذهبية ليست قدر لبنان، لكنها جرحه المفتوح. وما لم نملك الجرأة لننظر إليه دون تبرير، سيبقى ينزف، وسنبقى نحن نختلف على لون الدم، لا على كيفية إيقاف النزف
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net