بقلم: ناجي علي أمهز
نستيقظ كلّ صباح على ضجيج التحليلات، وننام كلّ مساء على صراخ الشعارات. بين الصحو والغفوة، يتناوب علينا محلّلون وسياسيون، ويُضاف إليهم قوميون ويساريون ما زالوا يعيشون في زمن لم يعد موجوداً، يقدّمون أنفسهم أوصياء على “الطائفة” فيما هم يأخذونها في متاهات من دون بوصلة، ومن دون مساءلة.
ليست المشكلة في الاختلاف، بل في استغلال الاختلاف إلى ظهور اعلامي، وفي تحوّل الطائفة إلى منبر مفتوح للخطابات الجاهزة. أخطر ما أصاب الطائفة الشيعية في السنوات الأخيرة ليس عدواً خارجياً بقدر ما هو هذا الاكتظاظ بالضجيج الداخلي، حيث تُضَخّ يومياً مشاعر الخوف والقلق، لا لتعبئة واعية، بل لإدامة حالة انتظار مرضي، كأنّ القلق صار قيمة بحدّ ذاته.
الانتصار الحقيقي اليوم لا يكون بالصراخ، ولا بالخطب الرنّانة.
الانتصار هو أن تتوقّف الاغتيالات، وأن يُرفع شبح القصف الدائم عن أهل الجنوب، وأن تعود الحياة إلى مناطق أنهكها الترقّب أكثر مما أنهكها القتال. فالخطر لم يعد فقط في ما يخطّطه الاعداء، بل في ما نغذّيه نحن من خوف داخلي، عبر إعلام وتحليلات تصدر – ويا للمفارقة – من داخل البيت الواحد.
قلنا مراراً، وليس من باب التنبّؤ ولا الادّعاء، إنّ المنطقة ليست متّجهة إلى حرب شاملة في المدى القريب. لا لأنّ العالم صار أكثر أخلاقية، بل لأنّ السياسات الكبرى تُدار وفق دورات واضحة، ولكل إدارة أميركية (الديمقراطي – الجمهوري) برنامجها وأولوياتها. لا تتحرّك بردّات فعل، بل باستراتيجيات طويلة الأمد، امريكا ليست متوقفة عند مليون ونصف شيعي لبناني، بل حسب سياستها التي تدير ثمانية مليارات إنسان.
حين تقول واشنطن انها تضغط على إسرائيل، فهي لا تفعل ذلك حبّاً بلبنان، بل لأنّ الانزلاق إلى المجهول معلوم لديها وغائب عنا.
المواجهة في هكذا خيارات مقامرة بكيان كامل. السياسة، في لحظات كهذه، ليست صراخاً، بل حساباً بارداً.
ومن هنا، لا بدّ من تحرير العقول من فرضيات خاطئة، في مقدّمها اعتبار إسرائيل “قاعدة أميركية متقدّمة”. هذا تبسيط مخلّ. طالما نفكّر انطلاقاً من هذه المسلّمة، سنبني عليها استنتاجات خاطئة، ونصل حتماً إلى قرارات خاطئة.
من حقّ الطائفة الشيعية أن ترفض التطبيع مع إسرائيل، وهذا موقف تشاركها فيه الغالبية الساحقة من شعوب الأرض، حتى داخل الولايات المتحدة نفسها. لكن رفض التفاوض شيء، ورفض التطبيع شيء آخر. الخلط بينهما ليس موقفاً مبدئياً، بل عجز عن التمييز.
التفاوض ليس بدعة.
الله سبحانه وتعالى ليعلمنا: فاوض بني اسرائيل في قصة البقرة الصفراء.
ويسوع (ع) فاوض حين قال: “الحجر الذي رذلتموه صار حجر الزاوية”.
ومحمد (ع)، رسول الله، فاوض في خيبر.
التفاوض أداة، لا عقيدة. وسيلة، لا هوية.
فاوض بحكمة وحنكة وضع شروطك وحصل حقوقك وارمي الحجة.
المطلوب اليوم من الطائفة الشيعية أن تُظهر نبوغها السياسي كما أظهرت شجاعتها، وأن تقدّم اجتهاداً في السياسة يوازي اجتهادها في الدين. العالم لا ينتظر خطابات تهديد إضافية، بل أفكاراً، رؤى، ومقاربات واقعية تُخرج الجماعة من موقع العزل إلى موقع المشاركة.
يا جماعة هل يعقل التفاوض على الشيعة والشيعة يريدون الغياب، بينما يجب ان يكون الصوت اليوم التفاوض معنا.
وبدل توزيع التحليلات السطحية والتهديدات يوميا على كروبات الشيعة، لماذا لا نكتب عن كيف نهضت ألمانيا من الصفر، وكيف خرجت اليابان من تحت ركام هيروشيما وناغازاكي لتقود العالم صناعياً وتكنولوجياً؟ هذه قصص حياة، لا قصص موت.
أما الخلاصة المؤلمة، نحن الشيعة جنينا على أنفسنا حين تجاهلوا التحذيرات التي اطلقتها قبل سنوات إنّ النفط والغاز ليسا ملفاً اقتصادياً فحسب، بل مدخلاً لصراع دولي أكبر من لبنان والمنطقة، قوبلت افكاري بالسخرية. ثم تبيّن لاحقاً أنّ النفط، كما التاريخ، لا يُدار بالعواطف، بل بموازين قوى عميقة لا ترحم. كما السياسة، والحياة، لا تُدار بالهتاف، بل بالعقل.
بالختام ومن باب التذكير “لان والله العظيم صار الواحد يخجل ويقول قلت لكم”، لان رغم كل ما جرى لم يتغير شيء، وهذا الامر مرعب، بل مخيف جدا. العالم تعب من ضجيج سياستنا واعلامنا.
في 1 – 10 – 2021، جاء في مقالي: «النفط الإيراني أغضب الأميركيين… فاشتعل الشارع اللبناني» أنّ من تابع مجريات الأحداث، وكيف هبطت قوات الاحتلال الأميركي لتسيطر على المناطق التي تحتوي آبار النفط في سوريا، يدرك أنّ مكامن الأزمة كانت وما زالت هنا: النفط، ثم النفط، ثم النفط.
النظام العميق قد يسمح لك بأن تقتطع جزءاً من جغرافيا ما، لكنه لا يسمح لأي كائن أن يقتطع برميل نفط واحداً من دون موافقته. قد يتفهّم إهدار دماء نصف البشرية، لكنه لن يسمح لأي قوة في العالم أن تهدر نقطة نفط واحدة من دون مشيئته. يسمح بابتكار الاختراعات، وبالوصول إلى عنان السماء، وبقتل الأحياء وإحياء الأموات، لكنه لا يسمح بإيجاد بديل للنفط إلا بإذنه.
قد يقول البعض إن في هذا مبالغة، ويتساءل: هل يعقل أنّ دخول النفط الإيراني إلى لبنان حرّك الولايات المتحدة، وهي أصلاً تستهدف المقاومة دائماً؟
هذا الكلام صحيح، لكنه غير دقيق. فهناك دائماً خطوط حمر، والدول تراقب بدقة عبر مؤشرات استخباراتية وإحصائية، وقد تطوّرت هذه المراقبة خلال العقدين الأخيرين لتُدار عبر محاكاة حواسيب خارقة. ما دام التهديد دون الخط الأحمر، يبقى الصراع مضبوطاً بأدواته وحدوده، أمّا عند تجاوزه، فيتغيّر شكل الصراع، وكميّته، وتوقيته.
وفي السياق نفسه كتبتُ بتاريخ 10 – 6 – 2022: «لبنان لن يستخرج غازه، والحزب قد… يواجه الحلف الأطلسي»، إذ إنّ لبنان، بعد التأكّد من وجود الغاز، تحوّل إلى حلبة صراع دولية أكبر منه ومن المنطقة بأسرها.
وكما شاهدتم واجهت الطائفة اسرائيل وامريكا والناتو ولم يستخرج لبنان نفطه بل وضعت امريكا يدها عليه.
المشكلة اليوم داخل الطائفة الشيعية، وأخطر ما تُرسله من إشارات إلى العالم، هو صورة طائفة تبدو كأنها مخدّرة ومنفصلة عن الواقع. فهل يُعقل، بعد كل ما جرى، أن يصدّق الشيعة محللين موسميين وما يُسمّى مفكّرين عرباً ويساريين، ويكذّبوا شخصاً أخبرهم منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً بأدقّ الوقائع، ورسم لهم المشهد، وشرح لهم ما يجري في العالم بالصورة والكلمة؟
لقد آن أوان الاستيقاظ.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
