بقلم / اقبال عبدالرحيم الحسين
كلما اقترب ديسمبر، يتحرّك شيء عميق في الروح… شيء يشبه أن تفتح نافذة قديمة فتدخل منها رائحة الشوارع التي عرفناها يوم خرجنا نطالب بوطنٍ يشبهنا. فما زال ديسمبر، رغم كل شيء، شهرًا لا يُشبه غيره. شهر يعيد إلينا وهج الثورة التي اندلعت في 19 ديسمبر 2018، الثورة التي سُطّرت بدماء أبناء هذا الوطن العزيز وأسقطت طاغية ظنّ أن الصوت يمكن أن يُحبس، وأن الشعب يمكن أن يُنسى.
لكن الثورة — مثل كل الأحلام الكبيرة — أُجهضت قبل أن تكتمل. لم يكن الطريق معبّدًا، وكانت المطامع تتكالب من كل الاتجاهات، تتربّص بالحلم وتقتسم روحه. ثم جاءت الحرب، لئيمة كعادتها، لتجرف ما تبقى من ضوء وتترك البلاد تتلمس طريقًا بين الركام.
ومع ذلك… لم تنطفئ الجذوة. هذه هي المعجزة التي لا يتقنها إلا شعبٌ تعلّم أن يتنفس الأمل وسط الدخان. فالثورة اليوم ليست في الشوارع وحدها، بل في عيون آلاف الشباب الذين ما زالوا يؤمنون بقدرتها على النهوض من جديد. شباب يحملون ما تبقى من الحلم على أكتافهم، ويعيدون بناءه في الخيال وفي الواقع، كل يوم، بصبرٍ لا يُفسَّر.
ديسمبر بالنسبة لنا ليس شهرًا. إنه ذاكرةٌ تمشي. إنه سؤالٌ معلّق في الهواء: كيف يمكن لحلمٍ أُسقِط ولم يكتمل، أن يعود أقوى في قلب كل من عاشه؟ وكيف يمكن لبلدٍ أرهقته الحرب أن يحتفظ بهذه الشعلة حيّة، لا تهدأ ولا تخبو؟
ربما لأن ما سقط في تلك الأيام لم يكن الثورة، بل حراسها. أما الفكرة نفسها، فقد هاجرت إلى الصدور، واستقرّت هناك، تنتظر لحظة أن تُروى من جديد.
ومع اقتراب 19 ديسمبر، يعود الدرس الأول أن الطريق إلى الحرية قد يتكسّر، وقد يُحاصر، لكنه لا يختفي. وأن الشعوب، مهما طال ليلها، تنهض… فقط لأنها تعرف أن النور يستحق الانتظار.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
