مسافرة… زادُها كرامتُها

بقلم: فاطمة يوسف بصل

هي كائن خرج من كفّ القدر كما تخرج الشرارة من صوانٍ صامت.
لا تُحسن الانتماء إلا للريح، ولا تكتب اسمها إلا على الماء، ولا تعقد هدنة مع أرضٍ تُطالبها بالانحناء.
ولدت وفي صدرها نبوءة صغيرة لا يسمعها إلا قلبها:
أن لا يُقام لها بيتٌ إن كان سقفه من يد أحد.
حملت في رحلتها شيئًا لا يُرى…
شيئًا يشبه تاجًا من ضوء، أو وشمًا لا يزول: كرامتها.
سارت به كما تسير الهالة مع القديس،
لا تُلمَس، لا تُسرق، لا تُقايَض.
تلتف حولها، تحرسها، وتُذكّر العالم أن الاقتراب أكثر مما يجب… خطيئة.
في المدن التي تشبه مرايا مكسورة، تركت انعكاسها ورحلت.
وفي الساحات التي تُباع فيها الأرواح كالملح، رأت الوجوه تُغيّر ملامحها كلما مرّت غيمة،
وعرفت أن البقاء هناك… موتٌ بلا جنازة.
هي لم تكن تُغادر الأماكن؛
كانت تغادر العلامات:
علامة الصوت الذي يخون معناه،
علامة اليد التي تُصافح وفي راحتها شوكة،
وعلامة القلب الذي يُضيء للقريب، ويُظلم عند أول امتحان.
كانت تمشي كما تمشي الأسطورة حين تُقرر أن تغيّر شكلها:
مرة على هيئة ظلّ،
مرة على هيئة لحن،
ومرة على هيئة صمتٍ أشد وقعًا من الطبول.
وحيث تضع قدمها، يتشكّل الطريق… أو ينهار.
وإن ضيّقت عليها الأيام، كانت تستدعي من عمقها امرأةً أخرى:
امرأة من حجرٍ مُضاء،
من نارٍ لا تحرق صاحبها،
من نجمٍ لا يهبط وإن طال به الليل.
تنهض بها كما ينهض السيف من موضعه،
وتعود إلى الرحيل.
الناس لا يفهمونها…
لأنهم يرون القشرة ولا يرون الطقس.
يسمّون صمتها كبرياء،
وبرودها قسوة،
وحدّتها غرورًا…
ولا يعرفون أن ما يحرسه الضوء يبدو دائمًا عصيًّا على الفهم.
فلا تسألوها عن وجهتها…
فالوجهة ليست مكانًا بل إشارة،
ولا تقولوا لها: “اصبري عليهم”،
فالذي عرفتْه:
أن الروح التي تستدين قيمتها من الآخرين،
تعود إليهم مكسورة العملة.
هي تمشي…
لا فوق الأرض، بل فوق المعنى.
وتحمل كرامتها لا كزاد، بل كتعويذةٍ من زمنٍ لم يعد يعرفه أحد.
مسافرة…
لا لأن الطريق يناديها،
بل لأن الثبات خيانة لأول نورٍ وُلد فيها.
والبقية؟
رماد لا يستحق أن يُحفظ في جُبّة الأسطورة.

شاهد أيضاً

“رصاصة” هيام التوم

  من كم يوم رحت أعمل بوتوكس لإنو عندي الجأرة اللي بالجببن حافرة خندق بالأصل …