عن وشاة أميركا وصراعات الصحناوي وجعجع: تعرف واشنطن أن حلفاءها يهاجمون حزب الله تحضيرا للانتخابات

إبراهيم الأمين

الاستعارة من الأميركيين أنفسهم تفيد كثيراً في حالة لبنان».
العبارة لديبلوماسي ينشط حالياً على ملفات متعددة تتعلق بلبنان. وهو يعتقد بأن من يجمع المعطيات عمّا يجري في واشنطن حول لبنان، يمكنه أن يفهم تماماً خلفية المشكلات اللبنانية الداخلية. ويلفت إلى أن الانتخابات النيابية المقبلة تمثّل الهدف الأساس للقوى المنخرطة في النشاط داخل الولايات المتحدة، وأن الخلافات قائمة حول من هو الحصان الأول في المعركة.

بحسب الديبلوماسي نفسه، فإن قسماً كبيراً من السياسيين اللبنانيين، خصوصاً المنضوين منهم في تحالف «اليمين المسيحي»، يعتبر أن الحل لمعضلة لبنان لن يأتي إلا على يد الولايات المتحدة، وأن من يكسب رضى العاصمة الأميركية يفوز بالجائزة الكبرى. وما دامت واشنطن تركز على هدف واحد وهو «تدمير حزب الله أو تطويعه»، فإن هؤلاء يعتبرون أن النقاش يجب أن يكون محصوراً بهذا الملف.

يمتنع الديبلوماسي عن رواية تفاصيل لقاءات تحصل بين شخصيات لبنانية تلتقي دورياً بالمسؤولين في السفارة الأميركية في بيروت أو مع شخصيات أميركية في واشنطن. لكنه ينقل عن مسؤول أميركي قوله: «إن اللبنانيين لديهم قدرة عجيبة على الطعن ببعضهم البعض، وهم يفهموننا بصورة خاطئة، وأخطر ما في عقولهم اعتقادهم بأننا نعمل من أجلهم».

ويضيف: «المشكلة أن واشنطن باتت منذ وقت غير قصير مساحةً كبيرةً للتداول بالمعلومات، وأن القدرة ليست في بث الأخبار، بل في أن تصل إلى من بيده القرار. لذلك، فإن النشاط التقليدي الذي كان يجري عبر القنوات الديبلوماسية بات قليل الفعالية، لأن الإدارة الحالية تعاني أصلاً من مشكلة مع مؤسسات الدولة العميقة في أميركا، ولذلك فإن في البيت الأبيض من يظهر استعداداً للاستماع من دون العودة إلى القنوات الرسمية».

ويلفت الديبلوماسي إلى أن التغيير بدأ مع نهاية الحرب الإسرائيلية على لبنان. يومها، كان فريق الإدارة السابقة يقوم بعملية تسليم الملفات إلى الإدارة الجديدة. وكانت بعض القرارات تتم بالتشاور مع فريق دونالد ترامب، لافتاً إلى أن الموفد الأميركي السابق عاموس هوكشتين، عندما تولى تنظيم اتفاق وقف إطلاق النار، كان مضطراً طوال الوقت للتواصل مع فريق ترامب الذي لم يكن قد تسلم مهماته رسمياً.

وفي هذه الأثناء، كان هوكشتين ينتبه إلى «عمليات استطلاع» يقوم بها لبنانيون للوصول إلى فريق ترامب. حتى أن هوكشتين نفسه، والذي كان يعتبر نفسه محل ترحيب وطلب من غالبية القوى اللبنانية، بات يشعر قبل نهاية العام الماضي بأنه لم يعد مقصداً لهذا الحشد من السياسيين اللبنانيين، علماً أن لديه رأيه في كل منهم، على ما يقول المتصلون به.

المهم، بحسب الديبلوماسي، أن القوى الأساسية التي تنشط في أميركا الآن هي مجموعة تتبع لـ«القوات اللبنانية»، التي يتولى المسؤول فيها جوزيف الجبيلي دوراً محورياً.

وهو عمل خلال التسعينيات على بناء التنظيم في أميركا الشمالية، ونسج علاقات كبيرة مع عاملين في المؤسسات الأميركية، وخصوصاً الفرق التي تعاقبت على ملفات الشرق الأوسط، وبنى شبكة علاقات مع قوى المعارضة السورية لحكم الرئيس السابق بشار الأسد، ونسج علاقات خاصة مع أكراد سوريا، وكان يستخدم عيادته لهذا الغرض.

وهو يعمل الآن على استثمار هذه العلاقات في سياق إسقاط الرهان الأميركي على الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، ويعبّر بسرور عن نجاحه مع آخرين في إسقاط الرهان السابق على قوى المجتمع المدني. وهدفه محصور بأمر واحد: تسويق سمير جعجع كرئيس أو مرجعية للقرار السياسي في لبنان، وعلى أنه الوحيد القادر على قيادة معركة حاسمة ضد حزب الله وخصوم أميركا في لبنان، ومستعد لبناء علاقة جدية وثابتة مع الحكم السوري الجديد، ولا مشكلة لديه يإقامة سلام مع إسرائيل!

يتكل الصحناوي على اللوبي الإسرائيلي في واشنطن لتعزيز التيار الداعي إلى فرض السلام بالقوة على لبنان، بينما يتولى رجال جعجع في الولايات المتحدة دور «الوشاة» بحق خصومهم المسيحيين أولاً

وتُظهِر معطيات ووثائق ديبلوماسية مصدرها العاصمة الأميركية أن الجبيلي عمل لسنوات ككاتب تقارير ومخبر للسفارتين السعودية والإماراتية في الولايات المتحدة، وكان يرسل التقارير إلى أعضاء في الكونغرس والإدارة للكشف عن «رجال حزب الله في أميركا»، وقاد حملة ضد ناشطين من التيار الوطني الحر في أميركا تحت هذا العنوان.

لكن قيادة «القوات» التي، على ما يبدو، تجد أن الجبيلي ليس فطناً كفاية، قررت الاستعانة بالوزير السابق ريشارد قيومجيان الذي يحمل الجنسية الأميركية، والذي يبدو في رأي كثيرين أكثر ذكاء من الجبيلي، وله رأيه المختلف حيال بعض الأمور.

مع ذلك، تواجه «القوات» مشكلة أساسية نتيجة الدور الذي يلعبه المصرفي أنطون الصحناوي في واشنطن. فالأخير يعتبر نفسه متقدماً على كل اللبنانيين في الحديث عن تدمير حزب الله، وجعل لبنان بلداً حليفاً لإسرائيل، ولديه نظرياته حول آفاق التعاون «بين الإبداعين اللبناني واليهودي» لإدارة اقتصاد المنطقة ككل، وأن لبنان ليس مضطراً، إذا لزم الأمر، للاستمرار في صورته الحالية ديموغرافياً أو طائفياً. ولذلك لا يرى أهمية لغياب قيادة سنية وازنة، بل يرى في ذلك مصلحة لتياره، ولا يمانع تهجير الشيعة من لبنان.

والصحناوي الذي يوسع أنشطته في أميركا، ينطلق من رهان كبير على حصول سلام بين إسرائيل وسوريا ولبنان. وهو يجد نفسه الأفضل في تطوير البنى التحتية التي تخص الدولة والقطاعات المالية والتجارية، ويؤمن أن السلام سيقوم حتماً بين لبنان وإسرائيل، ولو بالقوة، وأنه سيقود أكبر فريق استثماري بين البلدين، ويحقق الكثير.

والصحناوي الذي تعوّد على «الأيدي الطويلة» التي يشغلها للوصول إلى من هم في موقع القرار، تربطه علاقة عمل مع هاجر الشمالي، وهي أميركية من أصل لبناني، عرفت بعد عملها لنحو 4 سنوات مع الصهيوني دانيال غلايزر في وزارة الخزانة الأميركية.

وارتبطت خلال هذه الفترة بعلاقة قوية مع مورغان أورتاغوس التي كانت تعمل في مجال مكافحة الإرهاب في المنطقة. وتولت الشمالي ترتيب العلاقة بين أورتاغوس والصحناوي الذي سرعان ما عرض تمويلاً لنشاط المسؤولة الأميركية. وعندما قدمت الشمالي الصحناوي إلى المسؤولة الأميركية، قالت عنه ما صرّحت به علناً في وقت لاحق، بأنه «نشأ في عائلة لبنانية لديها ثقافة منذ أجيال تؤمن بإسرائيل والصهيونية، وإنه شهد منذ طفولته على التواصل الوثيق مع أصدقاء يهود وإسرائيليين، وهو يرى في إسرائيل ضرورة وجودية أكثر من أي وقت مضى، وينظر إلى الصهيونية كركيزة لبناء مستقبل لبنان والمنطقة بأسرها».

كما إن الصحناوي الذي ورث هذه العقيدة عن والده نبيل، يرى أن المشكلة اليوم ليست فقط في حزب الله، بل في أنه يوجد داخل الطبقة السياسية من يريد تغيير «تقاليد لبنان».

وعلى الطريقة اللبنانية، يعود الصحناوي فجأة من العاصمة الأميركية إلى محلة كرم الزيتون في الأشرفية، حيث يقود منافسة مع «القوات اللبنانية» بقيادة سمير جعجع. لكن الصحناوي الذي لا يوفر مناسبة للهجوم على جعجع، يتحدث عنه في جلسات السمر بطريقة تكشف عن حساسيات ذات خلفية طبقية واجتماعية.

فهو يرى في الفلاح البشراوي من يريد أن يفرض نفسه على عائلات عندها عشرات السنين من التراث في العمل العام، والحضور السياسي والاقتصادي والاجتماعي. بل أكثر من ذلك، فإن الصحناوي يعتبر أن جعجع يريد مصادرة حتى تاريخ حزب «الكتائب». وهو ما دفع بالمصرفي المهووس بالسلطة إلى أن يحتضن ابن بشير الجميل في مركز العاصمة، علماً أنه يرغب دوماً في ضم الحزب كله تحت جناحيه.

واليوم يجد الصحناوي نفسه في مواجهة تحريض جعجع على رئيس الجمهورية جوزيف عون. حيث لا يزال الصحناوي يؤمن بأن الرئيس عون قادر على لعب دور مركزي في المرحلة المقبلة، بينما يريد جعجع تحجيم رئاسة الجمهورية ما دام هو لا يسكن قصر بعبدا.

وفوق كل ذلك، هناك طموح سياسي خاص عند الصحناوي، فهو وإن بقي متعففاً عن خوض الانتخابات النيابية مباشرة، إلا أنه يعتقد أن التجربة تتيح له العمل على توسيع كتلته النيابية.

وأنه تربطه علاقة بنواب حاليين غير مجموعة إيهاب مطر، راجي السعد، جان طالوزيان ونديم الجميل، ويعرب عن استعداده لدعم آخرين في الانتخابات المقبلة، شرط التزامهم الانضواء في كتلة واحدة.

بمن فيهم ميشال معوض وغيره من التغييريين، وأن يقودوا المواجهة مع «القوات» ومع التيار الوطني الحر، مع أمله بأن يوافق الرئيس عون على أن يتولى لاحقاً رعاية هذه الكتلة النيابية التي ستضم نواباً من طوائف ومناطق مختلفة.

إلى ذلك، هناك الكثير من القوى اللبنانية، ليس لديها الحضور والعلاقات نفسها مع العاصمة الأميركية. وهو حال بعض الشخصيات المقربة من مراجع في لبنان، تقول إن نشاطها في الولايات المتحدة إنما هدفه «رد الضرر» الناجم عن تحريض الآخرين ضدهم، خصوصاً أن ملفاً قد يكون موشكاً على أن يُفتَح، يتعلق بفضائح تخص شخصيات لبنانية (من الصف الثاني) عملت بالتعاون مع شخصيات أميركية (من الصف الثاني أيضاً) على برنامج ابتزاز عدد لا بأس به من رجال الأعمال اللبنانيين، وخصوصاً الشيعة منهم، بحجة مساعدتهم على مواجهة أي عقوبات تُفرض عليهم بتهمة التعاون مع حزب الله، أو مساعدة المعاقبين منهم على إيجاد مخرج لإلغاء هذه العقوبات.

علماً أن التجربة في هذا العالم دلت أن على أي معاقب سلوك طريق واحدة، وهي نيل الرضى الفعلي من الإدارة الأميركية قبل شطب اسمه عن لوائح العقوبات، إلا إذا كان يملك نفوذاً جدياً داخل الولايات المتحدة ويعرف قواعد اللعبة هنا، ففي مقدوره حماية نفسه دون الحاجة إلى السماسرة إياهم.

الأهم في كل ما سبق أن المشترك بين كل هؤلاء هو أمر واحد: كيف نرضي أميركا والسعودية؟

الجواب بسيط، لأن الأمر يتعلق بالحملة على حزب الله، ومع أن العاصمتين الأميركية والسعودية تعلمان علم اليقين بأن كل هذه القوى لا تفيد في مواجهة حزب الله داخل لبنان، إلا أنهما تعتبران أن انخراطها في الحملة على الحزب مفيدة، من باب الاعتقاد أن الحزب وجمهوره يجب أن يبقيا تحت الضغط.

لكن المفارقة التي يعرفها الجميع، ويقولها الديبلوماسي إياه، تتمثل في أنه يخرج من بين القوم أحد صغارهم ليقول الأمور كما هي، وهو ما فعله نديم الجميل في العشاء الذي جمع وفد الخزانة الأميركية مع حشد من حلفاء أميركا في منزل المخزومي.

إذ عندما بادر أحد صقور الوفد إلى التلويح للحاضرين بأنّه إن تخلّفَ لبنان عن معالجة ملف حزب الله، فسوف تنسحب الولايات المتحدة من الملعب تاركة لإسرائيل التصرف… حتى عاجله الجميل بالجواب الأكثر واقعية: «يا ريت… لتتفضل إسرائيل وتنهي حزب الله، ها نحن هنا ننتظر هذا الأمر منذ أربعين عاماً!».

علمياً، قال الجميل للأميركيين ما يعرفونه، وهو أن كلامهم عن حزب الله له وظيفته الخاصة بالسجال الداخلي وبالانتخابات، إنما لا يمكن لأميركا أو لإسرائيل التعويل على الناطقين بهذه المواقف في أن يتولوا مهمة تدمير حزب الله!

قبل مدة، استضافت القناة «12 الإسرائيلية» المحلل نير دفوري، الذي تطرّق إلى الوضع الحالي. فقال إن على إسرائيل أن تتنبه وأن تتذكر ما حصل من أخطاء عند اجتياح 1982، حيث قام التحالف مع حزب «الكتائب» واليمين المسيحي، ولم يفعل هؤلاء شيئاً، وأن الخطير اليوم هو أن يتكرر الخطأ نفسه، في إشارة إلى ما يجري التطرق إليه في الولايات المتحدة وإسرائيل، من أن اليمين المسيحي نفسه بقيادة سمير جعجع يريد من إسرائيل وأميركا أن تنجزا مهمة تدمير حزب الله وهو ينتظر فقط النتائج… ليخلص دفوري إلى مطالبة حكومة الكيان بـ«إعادة الجيش إلى خلف الحدود».

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …