هل بدأت أميركا بإبعاد الرئيس عن الجيش؟

منذ انطلاق عمل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس في الجانب التقني من ملف الوضع على الحدود الجنوبية، ظهر التوتّر في العلاقة مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي عرض أمام الموفدة الأميركية وأمام زوّار كثيرين، ما تقوم به المؤسسة العسكرية لجهة تنفيذ القرار 1701 جنوب نهر الليطاني، وتكراره أن إسرائيل لا تلتزم بالاتفاق، وهي تعمل على إعاقة عمل الجيش.

وقد استُفزّت أورتاغوس مراراً من إشارة قائد الجيش إلى أن حزب الله يتعاون ويسهّل عملية الانتشار وحتى تسليم الكثير من الأسلحة. وهو أمر لا تقبل به الموفدة الأميركية التي تنظر في أوراقها، وتسأل عمّا فعله الجيش في عدة مواقع والكثير منها شماليّ نهر الليطاني.

التوتر الضمني الذي حصل بين قائد الجيش والموفدة الأميركية ارتفع منسوبه، بعد إعلان مجلس الوزراء قرار حصر السلاح في كل لبنان، وتكليفه الجيش بإعداد الخطة التنفيذية.

ذلك أن أورتاغوس نفسها، ومع مسؤولين أميركيين دبلوماسيين وعسكريين وأمنيين، اطّلعوا من قائد الجيش على الخطة نفسها التي عُرضت على مجلس الوزراء. وقد عرض الجانب الأميركي ملاحظاته التي تبدأ بالسؤال عن سبب استخدام عبارة «العدو الإسرائيلي» في معرض الشرح، وبينما هم يتحدّثون عن «جيش الدفاع الإسرائيلي – I.D.F»، كان هيكل يتابع حديثه بالإشارة إلى «جيش العدو الإسرائيلي – I.E.F».

وهو لم يهرب من الإجابة عن هذا السؤال، مذكّراً الحاضرين بأن الجيش مؤسسة تتبع للسلطة السياسية وتنفّذ ما يرد في الدستور، والدستور اللبناني يصنّف إسرائيل كعدو، وأن بيانات الحكومة تشير إلى إسرائيل كعدو. بينما حاول أميركيون، مثل الصهيوني ليندسي غراهام تبسيط الأمر، من خلال القول بأنه «يجب تغيير لغة التخاطب، فأنتم ذاهبون حكماً إلى سلام مع إسرائيل»، قبل أن يتطور موقف الجانب الأميركي من الجيش والقول بأنه «تقاعُس وتأخير متعمّد في الانتقال إلى العمل في منطقة شماليّ نهر الليطاني».

لكنّ الخلاصة التي كانت أورتاغوس تسمعها، وكذلك بقية الوفود الأميركية، مفادها أن الجيش أبلغهم بأنه ينتظر قرار الحكومة وأن الموضوع عند السلطة السياسية.

لم تكن واشنطن مرتاحة إلى طريقة عمل الجيش في ملف نزع السلاح، لكنّها تعتبر أن المسؤولية تقع على عاتق رئيس الجمهورية والحكومة

وبينما كان الرئيس عون يتعرّض لحملة ضغط وتهميش وتجاهل من الجانب الأميركي، تمظهرت لأول مرة في خلال زيارته لنيويورك وعدم تأمين اجتماعات لافتة له مع المسؤولين الأميركيين، وكذلك في عدم الإجابة حتى الآن عن طلبه زيارة واشنطن للاجتماع مع الرئيس دونالد ترامب.

لكنّ الحملة اشتدّت، بعدما انطلقت جوقة لبنانية، تقودها «القوات اللبنانية» وعدد من النواب والشخصيات المعروفين بعلاقتهم الجيدة مع الأميركيين، والذين يتهمون عون وقائد الجيش بأنهما «يعتمدان أسلوب المُداراة والمُراضاة مع حزب الله»، وهو موقف تبيّن أنه مطابِق نسبياً لموقف رئيس الحكومة نواف سلام، الذي صارت المدائح الأميركية والسعودية تنهال عليه بخلاف عون، فيما كان سلام يقول لسائليه عن ملف الجنوب، إن الإدارة السياسية متروكة لرئيس الجمهورية، وإن أي قرار تنفيذي يجب أن يأتي إلى مجلس الوزراء، وعندها يظهر موقفه.

لكن، يبدو أن في واشنطن، من وجد أنه بات من الضروري العمل على الفصل تماماً بين الرئيس عون وقيادة الجيش، ولذلك، كثرت أمس التسريبات عن الإهمال الأميركي المُتعمّد للرئيس عون، منها تحميله مسؤولية عدم إعطاء الأوامر لقائد الجيش لتنفيذ خطة نزع السلاح، وصولاً إلى انطلاقة خطة جعل الجيش غير خاضع بصورة فعلية لسلطة رئيس الجمهورية.

وهي حالة ليست مستجدّة على لبنان، وكان أول من قادها الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد وتابعها ابنه الرئيس بشار الأسد، ثم تولاها الأميركيون بعد خروج سوريا من لبنان، حيث واظبوا على إبعاد الجيش عن رئاسة الجمهورية وحتى عن قرارات الحكومة. وفي هذه الحالة، يعتبر الأميركيون أنهم في حال وضعوا يدهم كاملة على الجيش، فإن ذلك سيكون سهلاً في حال دخلوا مرحلة ابتزاز الجيش بتخفيض حجم المساعدات العسكرية والمالية له، سواء المُقدّمة من الولايات المتحدة أو من الدول العربية الحليفة.

أمّا عن احتمالية لجوء الولايات المتحدة إلى الضغط على رئيس الجمهورية لأجل إبعاد سلطته التقريرية عن الجيش، فإن التسريبات تتحدّث عن أمور أخرى، منها أن الولايات المتحدة ومعها حلفاء من الدول العربية في صدد بناء علاقات موازية مع الأجهزة الأمنية والعسكرية في لبنان، بعيداً عن السلطة السياسية.

وحجة هؤلاء، أنه بعد انتخاب الرئيس عون، وعند تكليف الرئيس سلام بتشكيل الحكومة، أبلغ الأخير صراحة بأن ملف التعيينات الأمنية والعسكرية متروك لرئيس الجمهورية. وهو أمر أُبلغ إلى عون من زاوية أنه سيكون المسؤول أمام أميركا والسعودية عن أداء هذه المؤسسات، وهم أصروا عليه، حتى في عدم تعيين المرشح الشيعي لمنصب المدير العام للأمن العام ما لم يكن هو مناسِباً له. ولذلك، حصلت التسوية على اسم اللواء حسن شقير الذي تربطه علاقة قوية بالرئيس عون ولم يكن في موضع رفض من قبل الثنائي أمل وحزب الله.

جريدة الأخبار

شاهد أيضاً

بوابة أمل: كيف نحمي أنفسنا من سرطان القولون

شمسان اليفاعي الصحة نعمة عظيمة من نعم الله علينا، لا يعرف قدرها إلا من فقدها. …