نقابة الصحافة تتخطى حدودها.. من لا يفهم العصر لا يحقّ له قيادته

 

بقلم علي قصاب

ما بُني على باطلٍ فهو باطل. محاولة نقابة الصحافة استلحاق الإعلام الإلكتروني قفزٌ فوق النصّ، وسوء قراءةٍ للعصر. لسنا ملحقًا لأحد، ولسنا مادةً في بازار السياسة. نحن المنصّات التي ترى وتُسمِع وتُحاسِب، والجمهور شهودُنا، والقانون ميزانُنا. أمّا الوصاية، فبابٌ سنُغلقه بالكلمة والمعيار.

قبل أن نغرق في التفاصيل، لا بدّ من تثبيت القاعدة: الوصاية ليست تنظيمًا. أن تُختزل آلاف المنابر الرقمية في قرارٍ تصدره قلّة، فذلك مصادرةٌ للتمثيل لا حماية للمهنة. نحن أمام محاولةٍ لإرجاع الصحافة إلى قوالب عفا عليها الزمن، فيما العالم يمضي إلى قياسٍ شفاف، وحقوقٍ واضحة، ومرجعيةٍ قانونية واحدة.
من هنا يبدأ الكلام… ومن هنا تبدأ المواجهة.

القانون أوّلًا… لا الوصاية

بحسب التعريف القانوني المستقرّ، كلّ ما يُبثّ للجمهور عبر الصوت أو الضوء يقع ضمن الإعلام المرئي والمسموع. ومنذ العام 2012، جرى اعتماد مسار “العِلم والخبر” للمواقع الإلكترونية عبر المجلس الوطني للإعلام ووزارة الداخلية. هذه ليست “ثغرة”، بل آلية تنظيم قائمة إلى حين إقرار قانونٍ شاملٍ للإعلام.
أما نقابة الصحافة، فاختصاصها تاريخيًّا الإعلام المكتوب. حقيقة بسيطة لا تحتاج إلى شروح. ومن هنا، فإن أيّ محاولة لجرّ المواقع الإلكترونية إلى مظلّتها قفزٌ على النص والمعنى معًا.

شروط عبثية… لا تصمد أمام الواقع

وفق ما جرى تداوله، طُرحت اشتراطات ساذجة من نوع: “على الموقع كي يُعترف به أن ينشر في عشر صحف”.
أيُّ عشرٍ هذه؟ في بلدٍ لا يكاد يحفظ اليوم ستّ صحفٍ فاعلة دون دعمٍ مالي، يُطلَب من المنصّات الرقمية أن تبرهن حضورها عبر ورقٍ يحتضر!
هل هذه معايير؟ أم حواجز مصطنعة لفرز “المسموح سياسيًّا” عن “غير المرغوب مهنيًّا”؟
إنها خطوة مرتجفة لا تدرك بنية السوق ولا اتجاه المستقبل.

تمثيلٌ مُصادَر… وقرارٌ من قلّة على حساب كثرة

كيف تُختصر الساحة الرقمية الرحبة — بآلاف المواقع المسجّلة “علمًا وخبرًا” — إلى حفنةٍ تُقرّر وتُصنِّف وتمنح الأختام؟
وفق المعطيات، يجري التصرّف وكأن عشرات الأشخاص يضعون في جيوبهم ما يوازي مئاتٍ وآلاف العاملين في الصحافة الرقمية.
هذا ليس تنظيمًا؛ هذا استلحاقٌ قسريّ يُصادر التمثيل المهني، ويحاول إلباس الصحافيين ثوبًا لا مقاس له في زمن المنصّات المتعدّدة.

المواقع الرقمية… منصّات مرئية ومسموعة

الموقع الإلكتروني اليوم منصّة مرئية ومسموعة قبل أن يكون “مطبوعًا رقميًّا”. فيديو، بثّ مباشر، صوت، إنفوغراف، وتفاعل لحظي… هذه هي المادة اليومية.
فلماذا يُعاد تعريفها إلى الوراء؟ ولماذا تُسحب إلى مظلةٍ لا تُجيد لغتها ولا تقيس أثرها؟
من خطيئة التصنيف أن يُحاكِم الورقيّ الرقميّ بمعايير توزيعٍ ومطابع، بينما معيار العصر هو الوصول، والمشاركة، والموثوقية، والقياس الشفاف.

“منتحلو الصفة”؟ الذريعة الأضعف

منتحل الصفة لا يحتاج وصيًا لفضحه؛ تسقطه المنصّة، والجمهور، والقضاء معًا. منظومة “العِلم والخبر” تمنح أدوات الردع: سحب الاعتراف، إحالة للنيابة العامة، وإجراءات ضبط قانونية.
لا حاجة لسلطاتٍ فوق السلطة تستدعي الشبهة قبل الدليل، وتلوّح بالعضوية قبل المعيار.

نقابة بتوجّه سياسي واحد… لا تمثّل الجسد الصحافي

التركيبة السياسية المعلومة للنقابة لا تعكس تنوّع المهنة ولا جغرافيتها ولا أجيالها. أي تنظيمٍ يبدأ من التمثيل العادل، لا من هندسةٍ فئوية. ومن يمارس السياسة في قاعات النقابة لا يحقّ له احتكار تعريف الصحافة الرقمية، ثم وضعها على سلّم الولاء قبل الكفاءة.

البديل واضح… والخارطة نظيفة

1. تثبيت المرجعية القانونية: المجلس الوطني للإعلام يبقى الجهة المخوّلة مؤقتًا بتنظيم المواقع، إلى حين صدور قانونٍ حديث.

2. نقابة مستقلة للإعلام الإلكتروني: بانتخاباتٍ دورية، تمثيل مناطقي ومهني، ومعايير مؤسساتية واضحة.

3. سجلّ معايير علني: تعريفٌ دقيق للمؤسسة الرقمية ومقاييس أداء قابلة للتدقيق (Reach، Engagement، تصحيح الأخطاء).

4. حماية العاملين لا احتكارهم: تنسيب الصحافيين الرقميين إلى نقابة المحررين على قاعدة الحقوق لا الإخضاع.

كلمة أخيرة إلى نقابة الصحافة

اهتمّوا ببيتكم أولًا. أنقذوا المطبوع الورقي، صونوا حقوق أهله، وطوّروا أدواته… ثمّ تحدّثوا عن “تنظيم” غيركم.
ما هكذا تُصان المهنة ولا تُحفَظ حريتها.
أما الصحافة الإلكترونية، فهي حاضر المهنة ومستقبلها، لا ملحقًا لأحد ولا غنيمةً في بازار السياسة.

📰 علي قصاب

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …