أحلامهم لا تسعها الجدران… فهل نكسرها أم نعلّمها التحليق؟

بقلم: المربية فاطمة يوسف بصل

في كل صف، هناك عيون تلمع بفضول لا يُطفأ، وأيد تتحرك كأنها تنقب في الهواء عن حلم جديد، وأقدام تتململ كأنها على موعد مع مغامرة في فضاء أوسع من حدود الجدران. نسميها حركة زائدة، ونسميها أحيانًا فوضى، لكنها في حقيقتها لغة غير منطوقة، تقول لنا: “افهمونا… لسنا مشتتين، نحن فقط مختلفون.”

ليست الحركة الزائدة اضطرابًا بالضرورة، بل قد تكون طاقة متقدة تبحث عن مخرج، أو عقلًا يسبق الإيقاع المدرسي الرتيب، أو روحًا لا ترضى أن تحبس في نمط واحد من التعلم. طفل يتحرك لأنه يريد أن يعيش المعلومة، لا أن يحفظها فقط. فهل نكسر أجنحته بالتوبيخ؟ أم نعلمه كيف يوجه طاقته نحو التحليق؟

الحل ليس في الصمت القسري، بل في احتواء الضجيج بذكاء تربوي ودفء إنساني. بيئة صفية تتنفس، الصف ليس مقاعد وجدرانًا، بل كائن حي يتنفس بالتنوع والحركة. الطالب كثير الحركة يحتاج إلى مساحة تسمح له بالتحرك دون شعور بالذنب.

فلنحول الصف إلى ورشة تفكير، أو محطة اكتشاف، أو ركن تجريب، حيث تكون الحركة جزءًا من التعلم لا خطأ يُعاقب عليه. التعلم بالحركة والتجربة، لكل عقل طريقته في الفهم؛ هناك من يتعلم بالسماع، وآخر بالنظر، وثالث بالحركة.

لنوجه طاقاتهم نحو الإبداع، ولنكن أول من يعلمهم كيف يطيرون. امنحهم فرصة أن يعبروا، أن يخطئوا، أن يحلموا… أن يتحركوا. فهم لا يريدون أكثر من أن يُفهموا. إنهم فقط يحلمون بصوت مرتفع… بلغة اسمها الحركة.

بعض الاستراتيجيات التي يمكننا استخدامها:

– نشاط حركي بسيط في منتصف الدرس.
– محطات تعلم يتنقل بينها الطلاب.
– تمثيل درامي للمفاهيم.
– استخدام التقنيات التعليمية، الوسائل السمعية والبصرية، الألعاب التعليمية، والتعلم القائم على المشاريع.

الشراكة مع الأهل مهمة أيضًا، فلنفتح قنوات الحوار معهم ليفهموا أن الطفل ليس مشاغبًا دائمًا، بل صاحب طاقة تحتاج إلى توازن وتنظيم. بتعاون الطرفين، يمكن تحويل النشاط الزائد إلى إبداع منظّم.

الدعم النفسي والاحتواء العاطفي ضروريان، فلنكن نحن المأمن، لا الخطر. لنعلمهم أن يهدأوا، أن يعبرّوا، أن يحولوا توترهم إلى إبداع. فالدعم النفسي ليس ترفًا، بل أساس التربية الناجحة.

كم من طفل وُصف بالفوضوي، فإذا به لاحقًا قائد أو فنان أو مبدع! الاختلاف هو الشرارة الأولى للإبداع. فلنبحث عن “الوميض” داخل كل طالب، لا عن “الخطأ” في سلوكه. حين نحتوي الاختلاف، نصنع التفوّق الحقيقي.

أيها المعلم، لا تجعل من الصف قفصًا… اجعله سماءً. ولا تكن أول من كسر أجنحتهم، بل أول من علّمهم كيف يطيرون. امنحهم فرصة أن يعبروا، أن يخطئوا، أن يحلموا… أن يتحركوا. فهم لا يريدون أكثر من أن يُفهموا. إنهم فقط يحلمون بصوت مرتفع… بلغة اسمها الحركة.

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …