هل ينقلب المسيحيون الإنجيليون في أميركا ضد إسرائيل؟

تاكر كارلسون يتحدث خلال مراسم التأبين للناشط المسيحي المحافظ تشارلي كيرك في 21 سبتمبر/أيلول 2025 (الأوروبية)

في 11 أغسطس/آب الماضي، بث المؤثر الأميركي الشهير تاكر كارلوسون، المحسوب على صفوف أقصى اليمين في الولايات المتحدة، حلقة غير عادية من برنامج “البودكاست” الأسبوعي الخاص به “تاكر كالرسون شو”.

في تلك الحلقة استضاف كارلسون الراهبة المسيحية الأميركية “الأم أغابيا ستيفانوبلوس”، وهي راهبة أرثوذكسية أميركية تعود جذورها إلى عائلة يونانية، فهي ابنة القس اليوناني الأرثوذكسي روبرت ج. ستيفانوبولوس، الذي كان شخصية بارزة في الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية بالولايات المتحدة لفترة طويلة. لاحقا، أصبحت أغابيا راهبة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (خارج روسيا).

بحلول عام 1996، انتقلت ستيفانوبلوس إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة وتعمَّقت في جذور وتفاصيل القضية الفلسطينية وامتزجت بها، ودافعت عن المجتمع المسيحي الفلسطيني لسنوات طويلة، ساعيةً إلى تعريف العالم بما يحدث للمسيحيين في الأراضي المحتلة على يد الصهاينة، بما في ذلك تقييد حركتهم ومصادرة أراضيهم وممتلكاتهم وتصعيب وصولهم إلى أماكنهم الدينية المقدسة وممارستهم لشعائرهم وعباداتهم.

وفي عام 2005، وجَّهت أغابيا رسالة صارمة إلى أعضاء الكونغرس الأميركي شرحت فيها كيف انفصلت القدس الشرقية فعليا بفعل السياسات الإسرائيلية عن بقية الضفة الغربية، وتوقعت أن الأمر مسألة وقت فقط “قبل أن يعجز المسيحيون والمسلمون عن البقاء ثقافيا واقتصاديا”. وأفادت الراهبة بأن أسوار الخرسانة الإسرائيلية، التي يبلغ ارتفاعها 9 أمتار، “حطمت المجتمعات المسيحية”، وانتقدت في رسالتها سياسة الولايات المتحدة التي رأت أنها “انخدعت بالدعاية الإسرائيلية”.

في لقائها مع تاكر كارلسون الذي لقي صدى واسعا للغاية في العالم الغربي وجلب عليها انتقادات شديدة من الموالين لإسرائيل، تحدثت الراهبة المهيبة صاحبة النبرة الهادئة من زاوية جديدة نسبيا على المستمع الغربي المسيحي المتدين، وهي زاوية دينية محضة. لقد أخبرت أغابيا المسيحيين الأميركيين المتدينين أن دعمهم لإسرائيل لا يعني فقط دعم الممارسات الاستعمارية الصهيونية ضد المسلمين في فلسطين، ولكنه يعني أيضا مناصرة “دولة احتلال تعادي المسيحيين وتقهرهم”.

تحدثت الراهبة بحكم معيشتها الطويلة في المنطقة عن كون المسيحيين الفلسطينيين يتشاركون مع نظرائهم المسلمين المآسي التي يسببها الاحتلال، منوهة أن الفلسطيني المسيحي يقابل عقبات كبيرة إذا ما أراد فقط زيارة الأماكن المسيحية المقدسة أو حتى زيارة أحد أقاربه في منطقة قريبة.

وحكت عن قصص عاينتها بنفسها لرجال دين مسيحيين مرضى رفضت سلطات الاحتلال منحهم التصاريح لزيارة المستشفى من أجل الفحوصات والعلاج. تحدثت الراهبة أيضا عن كيف تقلصت أعداد المسيحيين في البلاد منذ أن تأسست دولة الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948 بسبب هذه الممارسات التمييزية الممنهجة.

كما عبَّرت الراهبة المسيحية بصراحة عن موقفها مما سمّته “نظام الأبارتايد” الذي تقيمه دولة الاحتلال الإسرائيلي في الأرض المحتلة، ووصلت جرأتها إلى حد الدفاع المبطن عن المقاومة الفلسطينية، إذ قالت إن ما يحدث في الأراضي المحتلة لا يُعد “إرهابا إسلاميا” كما يسميه البعض في الولايات المتحدة، وإن على الجماهير المسيحية في البلاد الغربية أن يتوقفوا عن تصور الأمر كما يُقدَّم لهم أنه صراع بين الإسلام واليهودية.

الراهبة الأميركية الأم أغابيا ستيفانوبولوس خلال ظهورها في برنامج "تاكر كارلسون شو"، وهي تتحدث بهدوء عن معاناة المسيحيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي، ودعوتها للمسيحيين الأميركيين إلى إعادة التفكير في دعمهم لإسرائيل من منطلقٍ إيماني وأخلاقي.
الراهبة الأم أغابيا ستيفانوبولوس في “تاكر كارلسون شو”، وهي تتحدث عن معاناة المسيحيين الفلسطينيين تحت الاحتلال الإسرائيلي. (مواقع التواصل)

وانتقدت أغابيا عن واقع الحياة في غزة وكيف تحول إلى سجن مفتوح منذ عشرين عاما، فبات ممنوع عليهم بموجب الحصار الإسرائيلي أن يقوموا بتنمية مجتمعهم اقتصاديا بأي طريقة، وحتى سكان غزة الذين يحصلون على منح تعليمية في الغرب تمنعهم دولة الاحتلال من الذهاب.

بصوتها الهادئ أيضا ذكَّرت الراهبة الأميركية المواطن الأميركي المسيحي أن كثيرا مما يقال له عن حركة المقاومة الفلسطينية هو من قبيل السخف، إذ إن ما يحاولون إقناعه به هو أن تلك المقاومة إذا ما قضت على إسرائيل فسيكون عدوها التالي هو المواطن الأميركي، في حين أن حركة حماس، وكذلك بقية حركات المقاومة الفلسطينية، لم تصوب سلاحها أبدا تجاه مواطن في الولايات المتحدة. كما نفت الراهبة تماما عن المقاومة الفلسطينية التهمة التي يلصقها بها الإعلام الأميركي حول أنها مقاومة ذات عقيدة “جهادية متطرفة”، وأشارت أيضا إلى أنه لا يوجد في فلسطين مَن يريد أن يغير عقيدة المسيحيين بالعنف، وأن دافع أفراد حركة حماس الأساسي هو مقاومة الاحتلال وحماية أهلهم وأراضيهم.

ولم تنسَ الراهبة أيضا أن تُذكِّر مشاهديها المسيحيين في الولايات المتحدة الأميركية بأن المسلمين يؤمنون بعيسى بصفته نبيا ويعظمونه، وأنها من خلال حياتها مع المسلمين في فلسطين قد وجدتهم من أكثر الناس في العالم تعلقا بالله، وهذا ما يجعلهم قادرين بحسبها على تحمل المصائب التي تنزل بهم، والقتل والتشريد من جيش الاحتلال الإسرائيلي.

ثقب الفقاعة

أحدث كلام الراهبة على بساطته تأثيرا كبيرا في صفوف مستمعي البرنامج، حيث أمكن رصد الكثير من التعليقات المكتوبة من مواطنين أميركيين على الحلقة من قبيل: “لا أصدق أنني عشت كل هذا العمر أصدق الأكاذيب الإسرائيلية”، و”هذه الحلقة ستتمنى جماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية أن تدفنها بعيدا عن الناس”، وهي تعليقات غير مألوفة خاصة وسط هذه الفئة من الجماهير.

ولكن ربما أكثر ما أزعج وسائل الإعلام المؤيدة لدولة الاحتلال الإسرائيلي في تلك الحلقة هو أنها كانت بمنزلة رصاصة مباغتة، فمشاهدها التقليدي هو المواطن الأميركي الأبيض المحافظ العادي الذي ينتمي أكثر إلى مربع اليمين السياسي، وها هو يجد راهبة مسيحية أميركية، ذات مكانة دينية مرموقة وترتدي غطاء على رأسها، وليست من جماعات “المراهقين اليساريين” الذين يمقتهم، وهي تقول له إن كل ما يخبرك به اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية ليس صحيحا، وإن عدو المسيحيين الحقيقي في الأراضي المقدسة ليس المسلمين بأي حال وإنما دولة الاحتلال التي يدعمها، بل وتقول له إن حركة المقاومة الإسلامية حماس ليست إرهابية ولا متطرفة دينيا.

كذلك فإن مَن استضاف الراهبة ليس إعلاميا ذا هوى يساري أو تقدمي، وإنما هو مؤثر مشهور يخاطب المسيحيين المتدينين اليمينيين الذين تعدهم دولة الاحتلال وأنصارها حجر زاوية أساسيا في الدعم الأميركي للممارسات الصهيونية، فتاكر كارلسون كان يعمل في قناة “فوكس نيوز” اليمينية المتطرفة الشهيرة منذ عام 2016 وحتى عام 2023، وهو بالنسبة للكثير من الأميركيين ليس فقط رمزا لليمين العادي وإنما لأقصى التشدد اليميني المعادي للهجرة والمهاجرين، وهو يؤكد دائما حقيقة كونه مسيحيا متدينا، ما يعني أن رعايته لهذا الخطاب المعادي للصهيونية بمنزلة ثقب لفقاعة الرواية الموالية لإسرائيل التي هيمنت على الخطاب السائد وسط صفوف اليمين الأميركي.

ففي السنوات الأخيرة، بات واضحا للباحثين المتخصصين في شؤون الولايات المتحدة أن الأفكار المسيحية الصهيونية تُعد واحدة من أهم الركائز التي جعلت السياسة الأميركية منحازة دائما للمصالح الإسرائيلية، حتى على حساب المصالح الأميركية في بعض الأحيان.

وتتمحور تلك الأفكار بحسب الموسوعة البريطانية “بريتانيكا” حول ضرورة دعم المسيحيين لدولة الاحتلال الإسرائيلي باعتبار هذا الدعم السياسي للدولة العبرية يُمثل تنفيذا لخطة الرب التي ستنتهي بالقدوم الثاني للمسيح، ومن ثم فإن الدفاع عن أرض دولة الاحتلال، بل وتوسعها، يُعد دفاعا عن الخطة التي وضعها الرب للعالم.

تمتلك الجماعات الدينية الإنجيلية المؤمنة بهذه الأفكار تأثيرا كبيرا في السياسة الأميركية وفي صياغة تصورات المسيحيين الأميركيين منذ عقود، وهي تضغط بشدة في سبيل تحقيق مصالح دولة الاحتلال، ولها علاقات وثيقة ونفوذ على مراكز صنع القرار الأميركي، وقد باتت تلك الأفكار الصهيونية المسيحية شديدة التأثير في النخبة السياسية اليمينية بالولايات المتحدة الأميركية إلى حد أن رموز تلك النخبة لا يخجلون من التعبير عن تلك الأفكار باعتبارها حججا سياسية يقدمونها للرد على الأسئلة الصعبة الخاصة بدولة الاحتلال الإسرائيلي.

على سبيل المثال، صرَّح مايك جونسون رئيس مجلس النواب الأميركي في أبريل/نيسان 2024 قائلا: “أعتقد أن معظم الناس يتفهّمون ضرورة تمويلنا لإسرائيل. إنهم يقاتلون من أجل وجودهم. بالنسبة لنا نحن المؤمنين، هناك توجيه في الكتاب المقدس بأن نقف إلى جانب إسرائيل، وسنفعل ذلك بلا ريب، وسينتصرون ما دمنا معهم”.

رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون (الفرنسية)

وبالمثل، صرح وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو في عام 2019 أن “من الممكن” أن يكون الله أرسل ترامب “لإنقاذ إسرائيل من إيران”. ولاحقا في عام 2023 زعم بومبيو أن إسرائيل لا تحتل أي أراضٍ فلسطينية، وأنه بصفته مسيحيا إنجيليا ومن خلال قراءته للكتاب المقدس، يؤمن أن هذه الأرض “هي الوطن الشرعي للشعب اليهودي”.

بعبارة أكثر صراحة، استشهد تيد كروز، عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية تيكساس، بسفر التكوين لتبرير دعمه لإسرائيل. وفي مناظرة مع تاكر كارلسون في وقت سابق من العام الحالي، صرّح قائلا: “كوني مسيحيا، نشأتُ في مدرسة الأحد، تعلمتُ من الكتاب المقدس أن مَن يبارك إسرائيل يباركه الرب، ومَن يلعنها يلعنه الرب”.

وعندما تحدّاه كارلسون، متسائلا عما إذا كان هذا يعني أن الأميركيين “مأمورون بوصفهم مسيحيين بدعم إسرائيل”، أجابه كروز مؤكدا أن دعم إسرائيل قائم على الاعتقاد بأن “معظم الناس يفهمون هذا السطر في سفر التكوين على أنه يشير إلى الشعب اليهودي، شعب الله المختار”، وفق زعمه.

لقد باتت حجة “نحن مأمورون من الكتاب المقدس بدعم إسرائيل” دارجة على ألسنة السياسيين الجمهوريين اليمينيين من النخب الحاكمة في الولايات المتحدة للرد على الأسئلة المحرجة المتعلقة بطبيعة الاحتلال والانتهاكات التي يرتكبها، وهم يبررون ذلك غالبا وفق تفسير مستحدث لعبارة من سفر التكوين في العهد القديم موجَّهة للنبي إبراهيم تقول: “سأبارك أولئك الذين يباركونك، ومَن يلعنك سألعنه”، لكن هذه العبارة تلاعبت المسيحية الصهيونية بتفسيرها لتستبدل بإبراهيم إسرائيل الحديثة، دون أدلة معتبرة تدعم هذا التفسير.

ومن ثم بات المشهد السائد والتقليدي في الولايات المتحدة الأميركية هو أن المسيحي اليميني المحافظ هو داعم بالضرورة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وباتت الصورة العامة هي أن النخبة اليمينية المحافظة المسيحية تُوجِّه الجماهير المؤيدة لها بأفكار داعمة لدولة الاحتلال، وتقنع هذه الجماهير بأن الدفاع عن سياسات دولة الاحتلال هو في جوهره دفاع عن الولايات المتحدة، بل عن المسيحية نفسها.

لكن مؤخرا، منذ بداية الحرب الأخيرة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بدأت أصوات خافتة داخل اليمين المسيحي المحافظ الأميركي تتمرد على تلك النغمة السائدة وتطرح أمام الجماهير اليمينية طرحا جديدا مناصرا للقضية الفلسطينية ومعاديا لسياسات دولة الاحتلال، وقد اجتذبت تلك الأصوات المعاكسة للتيار السائد مساحات متزايدة من جمهور اليمين الأميركي المسيحي المحافظ التي بدأت تتشكك في الرواية النخبوية اليمينية السائدة الداعمة لإسرائيل.

مسيحية معادية للصهيونية

رغم أن تلك الأصوات المؤثرة داخل اليمين تُعد جريئة في مخالفتها للتيار السائد، فإن هناك أرضية منحتها صوتا مسموعا، خاصة وسط المسيحيين اليمينيين الأصغر سِنًّا، فمنذ بداية فترة حكم ترامب الثانية بات واضحا أن الشارع الأميركي ينقلب ضد إسرائيل.

وبحسب تقرير لمركز “بيو” للأبحاث بعنوان “كيف ينظر الأميركيون إلى إسرائيل والحرب بين إسرائيل وحماس في بداية ولاية ترامب الثانية؟”، كانت نظرة الشعب الأميركي لدولة الاحتلال قد صارت سلبيةً في معظمها بالفعل، إذ بات أكثر من نصف البالغين الأميركيين (53%) لديهم رأي سلبي حول دولة الاحتلال.

يعكس استطلاع آخر نُشرت نتائجه في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن صورة إسرائيل وسط صفوف الأميركيين استمرت في التدهور، حيث انخفضت نسبة الأميركيين الذين يؤيدون التعامل العسكري الإسرائيلي مع غزة إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، وبات 39% منهم يرون أن إسرائيل “ذهبت بعيدا جدا” في عملياتها العسكرية في غزة، بينما ارتفعت نسبة مَن ينظرون إلى حكومة إسرائيل سلبيا إلى 59%، وهو أعلى رقم يُسجَّل منذ بدء استطلاعات مركز “بيو” بهذا الصدد.

وفيما يبدو، فإن انهماك الولايات المتحدة الأميركية في مساندة اسرائيل في حربها التي تشنّها على قطاع غزة، وتبنّي الإدارة الأميركية لنفس الرواية الإسرائيلية مهما بلغ تهافتها، قد أثار استياء قطاع من جماهير الداعمين اليمينيين الذين صوَّتوا لترامب وكانوا يظنون أنه سيركز على نهوض الولايات المتحدة وكيفية جعلها “عظيمة من جديد”، كما وعد، وسيبتعد بها عن الحروب، فإذا بهم يجدونه وقد دخل حلبة الصراع بكل قوة من أجل إسرائيل.

هذه المقدمات، وغيرها، ربما تكون مهَّدت الطريق للأصوات المسيحية اليمينية المعادية للصهيونية لتظهر وتلقى تأثيرا بين الجماهير اليمينية الشابة التي بات لديها العديد من علامات الاستفهام حول سياسة بلادها المنخرطة بشدة في دعم وحماية كيان أجنبي تتناقض ممارساته بشكل صارخ مع جميع القيم المسيحية. وهنا برز صوتان مؤثران للغاية لإعلاميين مسيحيين يمينيين استطاعا أن يؤثرا بشدة في قطاع ليس صغيرا من الجماهير المسيحية اليمينية بأفكارهم المعارضة لدولة الاحتلال، وهما تاكر كارلسون وكانداس أوينز.

فمع تطورات الحرب الحالية، تبنَّى تاكر كارلسون صوتا مختلفا عن السائد في اليمين الأميركي، داعيا الولايات المتحدة إلى أن تكون أكثر حيادية في الصراع الدائر في الشرق الأوسط، وألا تؤجج نيران الحرب هناك بدعمها المنحاز تماما لدولة الاحتلال الإسرائيلي. ومنذ بداية صيف 2025 بدأ تاكر يركز في لقاءات برنامجه على استضافة شخصيات داعمة للقضية الفلسطينية ومنتقدة بشدة لإسرائيل، وعلى رأس تلك اللقاءات كان لقاؤه مع عالِم السياسة البارز جون ميرشايمر.

إعلان

بدأ تاكر يُظهر من خلال مداخلاته وأسئلته إلى ضيوفه المدافعين عن فلسطين تعاطفا واضحا مع القضية الفلسطينية، وانتقادا لاذعا ليس فقط لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بل لليمين الأميركي المحافظ نفسه، وعلى رأسه الرئيس دونالد ترامب بسبب موقفه الداعم لإسرائيل، وبسبب سوء تأويل اليمين الأميركي -بحسب تاكر- لآيات الكتاب المقدس على نحو يُظهرها وكأنها تدعو إلى دعم إسرائيل أيًّا يكن ما تفعله.

والأهم، شرع تاكر في طرح أسئلة صعبة كانت تُعَدُّ في نطاق المحظور في الإعلام الأميركي حتى وقت قريب، تتعلق بالدور الذي تلعبه جماعات الضغط الصهيونية في صناعة القرار الأميركي، وإلى أي حد يعمل اليمين الأميركي ونخبته الحاكمة لصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي أكثر من عملهم لصالح الدولة الأميركية ذاتها.

وخلال لقائه الذي حظي بشهرة كبيرة مع عضو مجلس الشيوخ الأميركي اليميني تيد كروز، حاجج تاكر ضيف حلقته دينيا وأحرجه بشأن تفسيره لآيات العهد القديم على نحو سياسي يُخرجها عن سياقها ويُقنع من خلالها المسيحيين الأميركيين أن دعم دولة الاحتلال واجب ديني على كل مسيحي. كذلك عمل تاكر في حلقاته المختلفة على توضيح حقيقة اضطهاد المسيحيين من قِبَل دولة الاحتلال في فلسطين لجمهوره اليميني.

بل وصل تاكر إلى حد القول إن جيفري إبستين، رجل الأعمال المدان بالاعتداء الجنسي على الأطفال وإدارة شبكة للاتجار الجنسي بالقاصرات، كان يعمل لصالح الحكومة الإسرائيلية، بل وأكد الإعلامي اليميني الأميركي أن كل شخص في واشنطن العاصمة يعرف هذا الأمر، داعيا صراحة إلى سحب الجنسية الأميركية عن أي أميركي خدم في جيش الاحتلال الإسرائيلي أو أي جيش أجنبي آخر.

التحول المُنتظر

إلى جانب تاكر، هناك مؤثرة أخرى لعبت دورا كبيرا في جذب أنظار قطاعات يمينية مسيحية متدينة للقضية الفلسطينية، وهي كانداس أوينز. وأوينز إعلامية وناشطة سياسية أميركية ذات شعبية كبيرة في الأوساط اليمينية، وقد لعبت أوينز دورا بارزا في الدعم الإعلامي لدونالد ترامب منذ ولايته الأولى، غير أنها اتخذت موقفا ناقدا بقوة ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الحرب، والأهم أنها بَنَت هذا الموقف على فكرة أنها مسيحية صلبة مفادها أن سلوكيات دولة الاحتلال لا يمكن أن يدعمها مسيحي متدين.

منذ الشهر الأول للحرب الإسرائيلية في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، كتبت كانداس بوضوح مُعلِّقةً على قصف دولة الاحتلال الإسرائيلي لكنيسة القديس برفيريوس للروم الأرثوذكس في مدينة غزة قائلة: “لقد شعرت بالاشمئزاز من مروجي الدعاية الذين يتظاهرون أن كنيسة مسيحية لم تُقصف. لقد قُتل مسيحيون، لا ينبغي لأي مسيحي أن يلتزم الصمت”.

أسهمت كانداس أيضا في توعية الجمهور الأميركي بأن معاداة السامية باتت تهمة جاهزة يستخدمها مؤيدو الصهيونية لينعتوا بها كل مَن يتجرأ على انتقاد الانتهاكات الإسرائيلية، وهاجمت بشدة الفكرة القائلة إن الولايات المتحدة الأميركية “تحتاج” إلى أن تدعم إسرائيل. وقد تسبب انتقادها الحاد لدولة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية الصراع في طردها من منصة “ديلي واير” بعد تزايد الخلاف بينها وبين المذيع النافذ في المنصة “بن شابيرو” الذي يُعد من أبرز الأبواق الإعلامية المدافعة عن الاحتلال الإسرائيلي.

كانداس أوينز تتحدث خلال مؤتمر العمل السياسي للمحافظين (CPAC) في مدينة أورلاندو بولاية فلوريدا. (رويترز)

ركَّزت كانداس بعد ذلك على عملها بالإعلام المستقل، واستمرت في التعبير عن رأيها الداعم لفلسطين والمنتقد لدولة الاحتلال الإسرائيلي والمنتقد لدور الإدارة الأميركية في دعم حرب الإبادة بغزة والمؤكِّد أن القيم المسيحية تتنافى تماما مع دعم السلوكيات الإسرائيلية، سواء في برنامجها الخاص أو حين كانت تُستضاف في البرامج العالمية في الولايات المتحدة أو في أوروبا.

خلال هذه الحوارات، صعَّدت كانداس من لهجتها المناهضة لإسرائيل وهو ما جلب لها اتهامات متصاعدة بمعاداة السامية، بل وصلت إلى حد توجيه انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأميركي ترامب أثناء ظهورها مع الإعلامي البريطاني بيرس مورغان في يونيو/حزيران الماضي، قائلة إنها تشعر بالحرج وخيبة الأمل أنها طلبت من الناس التصويت له، ومنتقدة قرار توجيه ضربات أميركية إلى إيران.

تُسلِّط مواقف تاكر كارلسون وكانداس أوينز وغيرهما الضوء على الانقسامات المتصاعدة وسط صفوف اليمين الأميركي بسبب إسرائيل، حيث تبرز اليوم الحركة المسيحية المناهضة للصهيونية ليس فقط بوصفها ردَّ فعلٍ عاطفيا على الدعم الأميركي غير المحدود للجرائم الإسرائيلية، ولكن بوصفها تيارا يمتلك خطابا لاهوتيا مستقلا يرفض تطويع النصوص المسيحية المقدسة لخدمة إسرائيل، ويجادل أن الوفاء للإنجيل يتطلب التضامن مع الفلسطينيين الذين يعانون تحت الاحتلال.

ومع ذلك، يواجه المسيحيون المناهضون للصهيونية عقباتٍ كبيرة: على رأسها الاتهامات “المعلبة” بمعاداة السامية، ومحدودية النفوذ السياسي والمالي مقارنة بالتيارات وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.

غير أن التحولات الجيلية في صفوف المسيحيين الإنجيليين تُبشِّر بوجهات نظر أكثر إنصافا بشأن الصراع في فلسطين، بعد أن بدأت تُطرح لأول مرة أسئلة جوهرية حول ما يتطلبه الإيمان المسيحي من تحقيق العدالة للفلسطينيين وإعادة التفكير في “التفسيرات الكتابية” التي طالما استُنِد إليها لتبرير الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل.

من المرجح أن تستمر هذه الأسئلة في تشكيل التفاعل المسيحي الأميركي مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لسنوات قادمة، وهو أمر ستكون له تداعيات عميقة على الولايات المتحدة، والعالم بأسره.

المصدر: الجزيرة + مواقع إلكترونية

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …