دروس من السفر.. (1) زيارة إلى الصين..

 

أحمد رفعت يوسف

في العام 2009 توفرت لي الفرصة لزيارة الصين.. ويومها كان الصديق والسوري النبيل، د.خلف الجراد سفيراً لسورية في الصين.. وما أكثر الدروس التي يمكن أن نتعلمها من مثل هذه الزيارة، لكنني سأحاول التركيز على ما يهمنا ويفيدنا، ونحن على ابواب بناء سورية جديدة..
***********
تفاجأنا عندما بدأنا الحديث مع الأصدقاء الصينيين، أنهم رفضوا أن نعتبرهم دولة عظمى!!؟.
لفت نظري الأمر كثيراً، وأنا المتابع لأخبار الصين، وللتوازنات الإقليمية والدولية، وأكتب عنها، وكنا نعتبر الصين من الدول العظمى.
وفي جلسة مع مسؤول صيني رفيع، استفسرت منه حول هذا الموضوع، وسألته لماذا لا تعتبرون أنفسكم دولة عظمى؟.. وكيف تصنفون أنفسكم؟.
وكان جوابه، نحن لم نصل بعد إلى مرتبة الدول العظمى!!.. نحن لازلنا دولة كبيرة نامية!!..
وسألته وما هي المقاييس التي تضعونها للدول العظمى؟.
وكان جوابه.. يوجد 46 مؤشر ومقياس للدول العظمى، ونحن حققنا حتى اليوم 17 مؤشر فقط، ولذلك لا نستطيع أن نقول إننا أصبحنا دولة عظمى..
حينها سألته، ومتى تستطيعون أن تكونوا الدولة العظمى الأولى في العالم؟..
وكان جوابه، في منتصف الأربعينات من هذا القرن.
************
لا شك أدهشني تواضع المسؤولين الصينيين، الذي لا ينظرون إلى بلادهم إلا كما هي، وبدون ادعاءات أرقام، أو زرع أوهام لدى الشعب الصيني.
اليوم وبعد ستة عشر عاماً على هذه الزيارة، تميزت الأحداث بالتسارع الكبير، وتغيرت توازنات القوى والقوة الدولية بشكل غير مسبوق، وتغيرت الصين كثيراً، وكانت أحد أسباب هذا التغير في العالم.
أبرز ما قامت به الصين، أنها حققت طموحاتها بأسرع مما كانوا يتوقعون.. وما كانوا يخططون للوصول إليه في منتصف الأربعينات، سيحدث قبل ذلك بعدة سنوات.
خلال هذه الفترة، كان المسؤولون الصينيون، يبنون بلادهم بصمت، وفق برامج طموحة ومدروسة، فيما كانت الولايات المتحدة الأمريكية، مشغولة بحروبها وغزواتها ومغامرتها العسكرية، أما روسيا، فقد كانت غارقة في تداعيات سقوط الاتحاد السوفييتي، وسياسات السكير يلتسين، الذي باع كل شيء فيها، لأجل أن يحصل على رضا الغرب، ولم ينجح في ذلك.
أنتجب النهضة الصينية تطورا مدهشا، وفي كل مجالات الحياة، والجميع يلاحظ كيف تبني المدن والطرقات والجسور والسدود، التي تعتبر أعجوبة حقيقية في مجال الهندسة والبناء، وكيف تطورت في مجال صناعة السيارات والطائرات والطاقة وغزو الفضاء، وتبدع في مجالات الاتصالات والتقنيات الحديثة، وكيف تحول الفيزياء والرياضيات إلى واقع ملموس، ووصل هذا التطور إلى الحد المدهش، والذي كان يدخل وإلى سنوات قليلة سابقة في باب المعجزات.
ومع هذا التطور لن يطول الوقت، حتى تزيح الصين الولايات المتحدة عن عرش القمة العالمية، اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، وأن تخرجها من الكثير من مناطق نفوذها التقليدية، والتي بنت عليها قوتها، وفي مقدمتها منطقة شرق المتوسط وغرب آسيا، وهذا سيكون بداية أفول الامبراطورية الأمريكية، وتفككها على المدى المتوسط.
هذه النهضة المذهلة للصين، لم تأت من فراغ، وإنما كان أساسها دستور يحقق المواطنة المتساوية لكل أبناء الصين، ويحرر ويطلق طاقاتهم الإبداعية، رغم عددهم المذهل، الذي تجاوز المليار والنصف من البشر، ورغم أنهم يمتلكون المئات من الأعراق والقوميات واللغات والديانات السماوية والوضعية، ولديهم أيضاً قانون يطبق بكل صرامة على الجميع، وعلى الكبير والمسؤول قبل المواطن العادي، كما أنهم يمتلكون إدارة استطاعت تحقيق المعادلة التي كانت تبدو مستحيلة، وهي التعايش بين الشيوعية والرأسمالية.
************
بالتأكيد لم أكتب ما كتبته للدعاية للصين، رغم تجربتها الجديرة بالاحترام والبحث، لكنني كتبت كل ذلك، للوصول إلى الدرس الذي يمكننا أن نستفيد منه للحالة السورية.
فكم أتمنى أن نوقف الحديث عن أرقام وتوقعات، وزرع أحلام في الفراغ، ونتحدث عن الواقع ونعمل بصمت.
وأن نرى دستوراً، يقوم على أساس المواطنة المتساوية لكل السوريين، ويجرم كل أنواع التمييز بين سوري وسوري.
كما أتمنى أن أرى القانون، وهو يطبق بكل صرامة وعلى الجميع..
كما أتمنى أن نجيد قراءة التحولات الجيوسياسية المتسارعة في العالم، وأن نعرف كيف نوازن في علاقاتنا الإقليمية والدولية، وكيف نتوجه إلى الصين، لأنها بلد المستقبل، وتحترم الدول والشعوب الأخرى، وتتعامل معها وفق معادلة (رابح – رابح) فيما الغرب بعقليته الاستعمارية المتوحشة، لا يعترف بالآخر، ولا بالعلاقات الندية، وإنما يريدها علاقة سيطرة وهيمنة وسلب، لإرادات الدول والشعوب، وسرقة لثرواتها، وفي مقدمتها بلداننا، بما تمتلكه من مواقع استراتيجية وثروات هائلة.
حينها فقط سنستطيع أن نبني بلدنا وبسرعة، وبدل من أن نحلم بأن نكون مثل دبي أو سنغافورة أو سويسرا، سيحلم بقية العالم بأن يكونوا مثل سورية، وسيتحدث العالم عن التجربة السورية.
فنحن في سورية.. بلد متميز وغني جداً، بما نمتلكه من موقع استراتيجي، وإرث حضاري وتاريخي، ومناح معتدل، وتنوع جغرافي وبيئي وطبيعي، ونسبة تشمس مثالية، وثروات هائلة، وفي مقدمتها الثروة البشرية الخلاقة والمبدعة، ونستطيع أن نحقق أحلامنا، وأن نصبح أفضل وأغنى شعوب الأرض.
ألخص ذلك بمعادلة ذهبية تقول (أعطونا دستوراً صحيحاً، وقانوناً يطبق على الجميع، وخذوا ما يدهش العالم).

 

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …