*السر وراء التصعيد الإسرائيلي والضغط الأميركي… ودور أبواق “المحور”

ناجي علي أمهز

منذ وقف إطلاق النار في أيلول 2024، لم تهدأ في لبنان الأصوات التي تتغذّى من وهم الحرب المقبلة. أبواقٌ تتحدث كل صباح عن “الضربة القريبة” و”اليوم الحاسم”، وكأنها تنفخ في رمادٍ لتُبقي النار مشتعلة، لا خدمةً للوطن بل خدمةً لعدوه.

هؤلاء الذين يُسمّون أنفسهم “إعلاميي محور المقاومة”، لم يدركوا أن تكرارهم لعبارة “بكرا الحرب” لم يكن سوى عزفٍ على نغمةٍ تخدم إسرائيل أكثر مما تُضعفها. فكل تصريحٍ بالحرب يمنح العدو اوراق الضغط، ويهيّئ الأرضية النفسية والسياسية لاستمرار القصف والاغتيال.

وبسبب التهويلٍ “ببكر الحرب”، دخلت البيئة الشيعية في دوّامة الانتظار. فكيف يرمّم الناس بيوتهم أو ينهضون باقتصادهم، إذا كان “بكرا الحرب”؟ وكيف تبني طائفة مستقبلها وهناك من يقول لها، بأن الغد هو نهاية العالم؟

لقد حذّرت، مرارًا، من هذا النهج العبثي. حاولت أن أنبّه بعض من أعرفهم في حزب الله – وهم قلّة – إلى أن هذا الخطاب لا يخدم المقاومة والطائفة، بل يهدمها من الداخل. فالخطر لم يكن في الحرب ذاتها، بل في الوهم اليومي بالحرب، في هذه الحرب النفسية التي استنزفت بيئةً بأكملها.

وحين لم تجدِ النصيحة نفعًا، بدأت بمواجهة الابواق.
في العاشر من كانون الأول 2024، كتبت مقالاً بعنوان: «تداعيات خطيرة على المقاومة والشيعة بسبب إعلاميي محور المقاومة»، ثم تتابعت المقالات، حتى وصلتُ إلى ما يشبه الصرخة في وجه جنونٍ إعلاميٍّ يتجاوز حدود المنطق والضمير.

وفي السابع والعشرين من تشرين الأول 2025، كتبت: «كلام أبواق المحور يشبه كلام محمد الحسيني، والشيخ نعيم قاسم أستاذ السياسة». كان المقال صريحًا، لأن الخطر صار وجوديًا، لا يقتصر على الخطاب بل يمتد إلى مصير طائفة بكاملها.

وحين صمتت أبواق محور المقاومة فجأة عن ترداد “بكرا الحرب”، وجدت إسرائيل نفسها بفراغ اعلامي، لأن من كان يضغط على اللبنانيين بدلًا منها قد سكت. فاضطر قادتها، من رئيس الحكومة إلى وزير الدفاع، إلى تبنّي العبارة نفسها التي كانت تُقال من داخل لبنان خاصة من اعلام المقاومة نفسه، “بكرا الحرب.”

لذلك عندما تسمعون قيادة الكيان الاسرائيلي يرددون ويهددون “يوميا ببكرا الحرب” تذكروا ما كانت تقوله الابواق.

بل حتى واشنطن نفسها التي كانت مستفيدة من مقولة الابواق “بكرا الحرب” وجدت نفسها تخسر نصف اوراق ضغطها، حيث كان هذا الاعلام وهذه الابواق يقدمون لها خدمات مجانية تساعدها بالضغط والتهويل على الدولة والشعب اللبناني، لذلك بعد ان صمتت هذه الابواق اضطرت للتدخل مباشرة، وعبر نواب الكونغرس والمبعوث الامريكي باراك لتهديد لبنان “ببكرا الحرب”، لذلك لا تستغربون من سماع نفس العبارات التي كان يرددها الابواق انما باللغة الانجليزية.

لكن، لا حرب بكرا، ولا بعد بكرا.
فقد قلتها في الثالث عشر من أيلول 2025: لا حرب على لبنان قبل منتصف عام 2026، إلا إذا تعثّرت الحلول الكبرى.
وأكرر اليوم ما قلته بالأمس:
الخطر الحقيقي ليس في الحرب، بل في الإعلام الذي يُعيد صياغة الخوف كل صباح، ويجعلنا ننتظر الحرب وهذا الانتظار اصعب من الحرب نفسها.
إنّ ما تحتاجه الطائفة الشيعية اليوم، وما يحتاجه لبنان بأسره، ليس بهورات الحرب، بل إرادة الحياة.

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …