فاطمة الزهراء.. أول انطلاقة في الصراع العقائدي – السياسي لتطبيق الإسلام الناصع

* د. جميل ظاهري

سؤال كبير بحجم فاجعة الرحيل وألم التنكيل وعمق المصائب التي ألمت بأم أبيها وروحه التي بين جنبيه خلال أيام معدودة لم تتجاوز التسعين يوما، هي الفترة التي عاشتها الصديقة الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام بعد رحيل والدها خاتم المرسلين محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الى جوار ربه، وكيف رحلت ولماذا رحلت بهذه السرعة وهي في عنفوان شباب عمرها والذي لم يتعد الثامنة عشر ربيعاً؛ سؤال بعمق المصيبة يطرح نفسه على الساحة الاسلامية والانسانية بوسع الكرة الأرضية منذ يوم الثالث عشر من جمادي الأولى سنة 11 للهجرة المباركة وحتى قيام الساعة وآهات مصابها (ع) منذ رحلت والدها ومروراً بفدك وشجرة الأراك وما جرى بين الباب الحائط وسقط الجنين واحمرار العين والضلع المكسور؟؟!!.
بضعة الحبيب السيدة فاطمة الزهراء أول من بدأ حركة الرفض السياسي ضد الظلم والتحريف والتزوير في تاريخ الأمة، وحياتها السياسية بدأت منذ نعومة أظافرها بعد أن آمنت بالله عزوجل وخاتم رسله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته وأصحابه الميامين.. لم تعش طفولة الأطفال أو حملت فرصة للعب واللهو؛ بل فتحت عينيها على الحياة وإذا بأبيها الرسول المصطفى وهو يأتي بين حين وآخر، مثقلا بكل ما يلقيه عليه المشركون في مكة المكرمة من ضغوط ومن أعباء ومن مشاكل، وحتى من الأقذار التي كانت تلقى على ظهره وهو يصلي.. وكانت بضعته الطاهرة لا يتجاوز عمرها السنتين أو الثلاث أو الأربع آنذاك، كانت تتحسَّس أن آلامه آلامها، فتختزن في طفولتها آلام الرسالة وآلام الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأبرار طيلة حياتها المباركة حتى بعد فراقها لوالدها سيد البشرية.
سجّل بعض الصحابة أرقاماً فاقت حدّ التصور في الأحداث والانقلاب بعد رسول الله وتفننوا في إيذاء وديعته الوحيدة فاطمة الزهراء وبعلها وبنوها عليهم السلام “فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني” – أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد وغيرهم.. فكانوا مصاديق لقول خاتم المرسلين: “ليردنّ علي الحوض رجالٌ ممّن صحبني ورآني، حتى إذا رفعوا الي ورأيتهم اختلجوا دوني، فلاَقولنّ: ربّ أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أعقابهم القهقري”- ، وفي لفظ آخر:” ليردن علي الحوض رجلان ممن صحبني، فإذا رأيتهما اختلجا دوني”- مسند أحمد 4 : 20 و3: 140 و281 و5: 48 و50 و 333 و 388 و 400 . وراجع صحيح البخاري 6 : 108 / 147 و 179 /261 ـ كتاب التفسير و8: 196 / 113 و214 / 157 و216 / 163 ـ 166 ـ كتاب الرقاق و 9: 83 / 2ـ كتاب الفتن -وصحيح مسلم 4: 1794 / 28 و1795 / 29 و1796 / 32 و1800 / 40 ـ كتاب الفضائل.
عانت بضعته فاطمة الزهراء من كبار صحابة والدها كما صوره صلوات الله وسلامه عليه في جمع من الصحابة ذات يوم، بقوله: “وأما ابنتي فاطمة، فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، ونور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي… وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي : يا محمداه ، فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية … فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم على محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة، فأقول عند ذلك : اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وأذل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها … ” – فرائد السمطين: ج 2 ص 34 – 35 والأمالي للشيخ الصدوق ص 99- 101 وإثبات الهداة: ج 1 ص 280 -281 ، وإرشاد القلوب ص 295 ، وبحار الأنوار: ج 28 ص 37 -39 ، وج 43 ص 172- 173 ، والعوالم: ج 11 ص 391 و392 ، وفي هامشه عن غاية المرام ص 48 والمحتضر ص 109 ، وجلاء العيون للمجلسي: ج 1 ص 186- 188 وبشارة المصطفى ص 197- 200 والفضائل لابن شاذان ص 8- 11، وتحقيق المحدث الأرموي.
ففعلوا ما فعلوا وأنكروا ما أنكروا وانقلبوا على الحق والحقيقة وارتدوا على ما كانوا عليه {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} – آل عمران الآية ١٢٠، ونكثوا العهود للرسول محمد صلوات الله وسلامه عليه، وما بايعوا عليه أمام عشرات آلاف من المسلمين في “غدير خم” وذهب قولهم “بخ بخ لك يا علي..” هواءً في شبك وكأن لم يقولوها مطلقاً، فأنكروا الوصاية دون فصل لبعل الزهراء البتول وغصبوا إرثها ونحلتها (فدك) رغم وقوفهم على حقانيتها عليها وأنها هدية ربانية إكراماً لما أنفقته أمها أم المؤمنين خديجة الكبرى سلام الله عليها، من مالها الوفير في خدمة نشر الاسلام ولم يكتفوا بذلك فقط، بل فعلوا فعلتهم الشنيعة حيث عصروها بين الباب والحائط رغم علمهم بوجودها خلف الباب بمقولته الشهيرة “وإن” (الامامة والسياسة ج1 ص19) فنبت المسمار في صدرها الشريف وكسروا جنبها، وأسقطوا جنينها، وأرعبوها وأرهبوها وأهل بيتها وطرحوها مريضة الفراش وبقيت على هذه الحالة المأساوية حتى فارقت روحها الطاهرة جسدها نحو ربها في الثالث من جمادي الآخر سنة 11 للهجرة في عام رحيل والدها خاتم المرسلين في 28 صفر عام 11 للهجرة.. فدفنت سراً ولا زال قبرها الشريف مجهولاً كما أوصت عليها السلام بذلك لأنها ماتت وهي “واجدة ممن آذوها” كما جاء في غالبية كتب كبار علماء العامة نقلا عن عائشة: “ماتت فاطمة وهي واجدة (غاضبة) عليهما (أبو بكر وعمر)” كما جاء في صحيح البخاري عدة احاديث منها 2862 وكذلك : ج 5 – ص 177 وصحيح مسلم: ج 1 (ملخص) – ص 589 دار السلام – رياض – السعودية وكتاب الامامة والسياسة ج 1 – ابن قتيبة الدينوري تحقيق الشيري ص 31 .
معاناة سيدة نساء العالمين الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها آلاف التحية والسلام خلال التسعين يوماً كان تجسيداً لما ستعانيه الأمة الإسلامية خلال العصور والقرون التي تلت “رزية الخميس” وما آلت إليه “سقيفة” بني ساعدة من بناء ثوابت أموية انحرافية جاهلية صنمية قبلية، وتزوير وتزييف للحق والعدالة والمساواة والمحبة والتعاون والمودة التي جاء بها والدها خاتم الرسل لإنقاذ البشرية من الاستحمار والاستعمار والفرعنة والعبودية والركون والخضوع والركوع لغير الله سبحانه وتعالى.. حيث الوقائع الأليمة تعصف ببلاد المسلمين (فدك آل الرسول) من شماله وحتى جنوبه ومن شرقه حتى غربه (حوار الامام موسى الكاظم عليه السلام مع الخليفة العباسي هارون حول حدود فدك)؛ من قتل ودمار وسفك للدماء واستباحة للحرمات والمقدسات والتهاون بانتشار الرذيلة والنهي عن الحق والأمر بالمنكر، وإستباحة دماء المسلمين دون وجل وتقديم قبلتهم الأولى على طبق من ذهب لأعداء الله وخلقه ورعيته دون خجل أو استحياء.
تتكرر الصور المأساوية والمجازر الدموية والفجائع القاسية المؤلمة ذاتها على أمة محمد الأمين خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأطهار طيلة أكثر من أربعة عشر قرناً الماضية من نسل الى نسل، متمسكين بما أنجبته “فتنة سقيفة بني ساعدة” رغم اعتراف الخليفة عمر بن الخطاب بأن ” بيعة أبي بكر كانت فلتة.. و من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا” في حديث صحيح روته جميع كتب العامة ومنها (صحيح البخاري 8 / 210 الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا، 4 / 2130 ح 6830، ومسند أحمد بن حنبل 1 / 323 ح 391).. فتمسك حكام الطغيان والفرعنة والظلم والجور بالواقعة الفتنوية بمساعدة فتاوى وعاظ سلاطينهم المسندة بأحاديث مزيفة منحرفة لا تنم للاسلام بصلة لا من قريب ولا من بعيد، انما أقاويل أموية جاهلية صنمية بغيضة على الأمة والدين الحنيف فعاثوا في الأرض فساداً دون مبالاة وقامة قائمتهم هنا وهناك.
ذبحوا وفجروا وقتلوا واستباحوا المحرمات و أراقوا الدماء وقطعوا الأوصال وتفننوا طرق التعذيب والتنكيل بأبناء جلدتهم ودينهم على الهوية والولاء؛ فاغتصبوا الحكم والسلطة كما أغتصبها أسلافهم “الولاية دون فصل”، وعصروا الحق والحقيقة بين الباب والحائط مثلما فعل ذلك مشاعل هدايتهم الصنمية وقالوا “وإن”، وسلبوا العباد الحرية والعدالة وبلوغ حقيقة الدين المحمدي سيراً على خطى سيرة الذين يقتدون بهم حيث جمعوا رواة الحديث وكبلوهم الأيدي والأفواه لمنع وصول الحقائق الثابتة للأمة..
وشوهوا صورة الاسلام دين المحبة والرأفة والسماحة ورفض الباطل والظلم ودفعوا بالأمة نحو زعامة بنو أمية الطلقاء معلنين معاداتهم لأهل البيت عليهم السلام جهاراً ببيانات “دواعشهم” وأكلوا الأكباد بعد تمزيق الصدور معيدين ذاكرة فعلة الباغية “هند” مع سيد الشهداء حمزة سلام الله عليه.. وغرسوا الغدة السرطانية “اسرائيل” في جسد الأمة ليجسد لنا غرس المسمار في صدر أم أبيها ومستودع سره فاطمة الزهراء عليها السلام بعد أن عصرها سيدهم وكبيرهم الذي علمهم السحر خلال هجومهم على بيت الوحي والتنزيل ولم يمض على رحيل منقذهم خير البشرية الحبيب محمد صلوات الله وسلامه عليه سوى ثلاثة أيام، لتبقى آهاتها قائمة منذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا والى قيام الساعة.. ألا لعنة الله على القوم الظالمين.

[email protected]

شاهد أيضاً

رسالة نتنياهو للبنانيين. تزييف للحقائق وتبرير للقتل

بقلم الكاتب نضال عيسى  جاءت رسالة مجرم الحرب نتنياهو محملة بأكاذيب مكشوفة، يحاول فيها تحييد …