تهويل أميركي صهيوني على لبنان بين التهديد بالتسليم ورفض تسليم السلاح

كتب إسماعيل النجار،

 

في سياقٍ إقليمي ملتهب باتت فيه الخيارات قصيرة والتهديدات تعلو نغمتها يومًا بعد يوم، تبدو واشنطن وتل أبيب متشاطئتين على شاطئ استراتيجية واحدة هي إضعاف المكوّن الشيعي اللبناني وكسر عزيمة من يقف خلفه في مقاومة الاحتلال.
هذه القراءة ليست مجرد تأويل؛ بل هي سرد للرؤية السياسية العسكرية التي تعبّر عنها تصريحات وتصرفات القادة الصهاينه والمسؤولين الأميركيين، وتُقرأ عبر وقائع تَشي بتصعيد سياسي وتشريعي في آن معًا.
السرد الذي وصلنا واضحٌ ومباشر؛ فكل يوم يتحفنا مسؤول أميركي بتهديدٍ من لونٍ جديد، يوحي بأن واشنطن قد تتخلى عن ضبط النفس إذا لم تُسلم «المقاومة سلاحها»؛ وأن إسرائيل ستكون حرةً في التحرك «منفردة» إذا فُتِح الباب أمام ذلك.
هذه التهديدات ليست خفية ولا عابرة فقد تزايدت مؤخراً الدعوات والضغوط الدولية والإقليمية تجاه مسألة تسليح جماعات مسلحة داخل دول ذات سيادة، وبرزت معالم ذلك في قيادة دبلوماسية أميركية حاولت فرض خيارات على بيروت إزاء تسليم السلاح.
ولكن القيادة السياسية والعسكرية للمقاومة لم تترك المجال للتأويل. كما ورد في النص الأصلي على لسان أمينه العام وقياديه «لا تسليم للسلاح» — وبلغت لغة الرد الشعبي على مستوى التعبيرات القاسية «روحوا بلطوا البحر» و«وأعلى ما بخيلكن ركبوه». هذه العبارات، مهما حملت من حدة، تعبّر عن جوهر قرارٍ استراتيجي إن السلاح يُنظر إليه لدى كثيرين في بيئة المقاومة بوصفه ضمانة وجودٍ وكرامةٍ ووسيلةَ ردعٍ لا يُفرَّط فيها مهما اشتد الخناق.
المشهد الفلسطيني المتصل بالخريطة الإسرائيلية لعب دوره في هذا المخطط الإقليمي؛ إذ يرى أطرافٌ في واشنطن وتل أبيب أن إنجاز صفقة تبادل في غزة وتقييد قدرات حركةٍ مثل حماس سيفتحان الطريق لمرحلةٍ جديدة على الضفة الغربية. ثم وقعٍ تشريعي في الكنيست الإسرائيلي، أفضى إلى تصويتٍ ممهِّدٍ لفرض «سيادة» إسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة في خطوة صهيونية تُعدّ ترجمةً براغماتيةً لمسار استيطاني وقانوني بدأ يترسخ على الأرض. هذا التطور التشريعي رغم المعارضة الرسمية المتقطعة، يعكس أحد أوجه الضغط الإقليمي الذي يُقرأ كتهديد مباشر لأفق السلام وإعادة رسم الجغرافيا.
كذلك ثمة محاولات توظيف لمجموعات مسلّحة وميليشيات فلسطينية في إطار ما يمكن تسميته «سياسة الإفراغ الداخلي» إذ يطرح السردُ إمكانية أن تُستثمر حالات من الاعتزال أو التسوية الفردية لمقاتلين فلسطينيين في خلق ديناميكيات صراعٍ داخلي فلسطيني قد تخدم أهدافًا أوسع. لا سيما حين تُذكر تسميات أو وحدات بعينها كوحدة سهم التي جندت أكثر من ألف مقاتل فلسطيني بعضهم كان ينتمي الى قوات النخبة في الفصائل الفلسطينية في القطاع بهدف إستعمالهم في المشروع القادم أي مواجهة حماس من الداخل بإقتتال فلسطيني فلسطيني!.
على المستوى اللبناني الداخلي، يواجه سلاح المقاومة تحديًا سياسيًا كبيرًا في غياب إجماع وطني واضح حول بقائه، واستفحال أجواء الاستهداف السياسي والطائفي التي تُحوّل السجال حول السلاح إلى معركة وجودية لا تقتصر على بنية الدفاع فقط بل تمتد لتطال مكانة الطائفة الشيعية في الدولة. هذا الانقسام الداخلي هو الهدف المرجو من سياسة الضغط الخارجية إذ إن نزع السلاح في خضم انقسام داخلي يفسح المجال أمام إعادة تشكّل موازين القوة لصالح خصومٍ يسعون إلى تهميش حضور طائفة بكاملها.
إلا أن قراءة قوة الميدان مختلفة من منظور المقاومة وبيئتها، لو اشتعلت المواجهة فستكون «معركةٌ أسطورية»، بل ملحمةً تاريخية تُكتب بحروفها الخاصة، وفق ما يرد في الخطاب الشعبي والقيادي. هذه الصيغة ليست مبالغً فيها إنما إعلان استعداد معنوي واستراتيجي لخوض اشتباك طويل ومكلف ينتصر فيه من يملك الإرادة والقدرة على الصمود والتخطيط. وقد بدا هذا الرهان واضحًا في الكلمات التي نقلناها أعلاه؛ كلمات تعبّر عن تصميمٍ لا يساوم على «الوجود» كما يُفهمه طرفٌ رئيسي من أطراف الصراع.
إن ما يجري ليس مجرّد تبادل سليطٍ للألفاظ بين دولٍ وقوىٍ متحاربةٍ على أجندات إقليمية؛ بل هو مخطط متعدد المستويات: تشريعي في إسرائيل، دبلوماسي في واشنطن، وسياسي داخلي في لبنان، مع احتمالاتٍ عسكرية تبقى مفتوحة. والنتيجة المرجوة لدى المروّجين لهذا المخطط هي إضعاف قوةٍ مجتمعية وسياسية تُعتبر معاقلةً إقليمية فاعلة. أما الثابت في هذا المشهد فهو أن أية محاولة لفرض حلٍ بالعنف أو بالابتزاز السياسي ستعيد رسم خطوط الصراع بطريقةٍ لا تخلو من المخاطر، وسيكون ثمنها باهظًا على الجميع.

بيروت في،، 23/10/2025

شاهد أيضاً

رشاد سلامة غائباً … الإبن والأب برُقيّ الأدب والمحاماة ..

عبد الغني طليس استقبلتُ المحامي رشاد سلامة خمس مرات في برنامجي الثقافي على تلفزيون لبنان، …