السنوار… حين تتحوّل الشهادة إلى قدر الأمة

في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القائد المجاهد يحيى السنوار

رسول حسين أبو السبح

في ذاكرة الشعوب المقهورة، لا تبقى سوى الشهادات التي تُكتب بالدم، تلك التي تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، لتغدو شهاداتٍ في الوجود والمعنى. فالشهادة ليست موتاً عابراً، بل حدثاً تأسيسياً يولد من رحم الصراع، ليعيد صياغة التاريخ من جديد. وفي الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القائد المجاهد يحيى السنوار، نقف أمام لحظة تتجاوز حدود الفقد إلى أفق الوعي؛ لحظة تنحت في وجدان الأمة سؤالاً أعمق: كيف تتحول الشهادة إلى مصيرٍ للمقاومة، وإلى فعلٍ يغيّر موازين الأرض والعقيدة؟

الشهادة كمعنى لا كحادث… يحيى السنوار لم يكن اسماً عادياً في معجم المقاومة، بل رمزاً لمعادلةٍ فريدة بين الفكر والفعل، بين الصبر والتخطيط، بين الإنسان والمبدأ. لقد جسّد في حياته نموذج “الإنسان المقاوم” الذي لا يفصل بين المعركة والسلوك، ولا بين الإيمان والسياسة. فالشهادة عنده لم تكن احتمالاً، بل خياراً واعياً. ولذا حين نُقل خبر رحيله، لم يكن ذلك غياباً بقدر ما كان تحوّلاً في صيغة الحضور؛ إذ تحوّل القائد من فردٍ في الميدان إلى معنى يتخلل الوجدان الجمعي للأمة.

من الفعل المقاوم إلى الوعي المقاوم… تجربة السنوار أثبتت أن المقاومة لا تُقاس بعدد الصواريخ ولا بمساحة السيطرة، بل بعمق الإيمان بجدوى الفعل المقاوم. لقد أعاد هندسة العلاقة بين الشعب والمقاومة، فحوّل الحصار إلى مدرسة، والظلم إلى وقودٍ للثبات. وفي كل مواجهةٍ خاضها، كانت فلسفته تقوم على أن “العدو لا يُهزم بالرصاص فقط، بل بالوعي الذي يرفض الهزيمة”. وهكذا تحوّل من قائدٍ ميداني إلى مُنظّرٍ عمليّ لثقافة التحرير.

شهادات تصنع التاريخ… منذ استشهاده، تحوّلت صورته إلى أيقونةٍ رمزية تحاكي تجارب القادة الكبار الذين غيّروا مسار شعوبهم، لا بخطاباتهم، بل بدمائهم. تماماً كما صاغت شهادة الإمام الحسين (ع) مبدأ الكرامة، وصاغت شهادة أحمد ياسين مبدأ العزم، فإن شهادة يحيى السنوار جاءت لتصوغ مبدأ “الإرادة المستمرة”. إرادةٌ لا تُهزم بالاغتيال، لأنها امتدت في كل شابٍ وامرأةٍ وطفلٍ في فلسطين وخارجها، باتوا جميعاً يردّدون أن المقاومة فكرة لا تُقتل.

ما بعد الشهادة ولادة المعنى… الشهادة ليست خاتمة المسيرة، بل بدايتها الجديدة. ففي العام الذي تلا استشهاده، لم تنطفئ جذوة المقاومة، بل ازدادت اتقاداً. تجذّر الوعي المقاوم في الأجيال الجديدة، وتحوّلت كلماته إلى نصوصٍ تُدرَّس في مدارس الكفاح، وإلى مرجعيةٍ فكرية في أدبيات التحرير. لقد برهن السنوار أن القائد المقاوم لا يرحل حين يسقط، بل يبدأ حين يرحل.

بين الدراما والقدر… قد تبدو القصة في ظاهرها مأساة، لكنها في جوهرها رواية انتصار مكتوبة بالحروف الحمراء. الدراما هنا ليست تمثيلاً، بل حقيقةً دامغة: أن من يختار طريق المقاومة يكتب فصله الأخير بيده، راضياً مطمئناً. في لحظات استشهاده، لم يكن السنوار يودّع الحياة، بل يوقّع وثيقة خلوده في ذاكرة الأمة. ومن رحم هذا الدم الطاهر، وُلد جيلٌ جديد من المقاومين الذين يرون في الشهادة ليس نهاية الحكاية، بل استمرارها الأبدي.

في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القائد يحيى السنوار، تتجدد الحقيقة الأزلية، أن الأمم لا تُبنى بالشعارات، بل بالشهداء. وأن التاريخ لا يكتبه المنتصرون المؤقتون، بل أولئك الذين يصنعون المعنى في وجه الفناء. لقد ترك السنوار لنا إرثاً من الوعي والإرادة، وحكايةً تختصر جوهر المقاومة: أن الشهادة ليست موتاً في سبيل الحياة، بل حياةٌ في سبيل المعنى.

شاهد أيضاً

رسالة نتنياهو للبنانيين. تزييف للحقائق وتبرير للقتل

بقلم الكاتب نضال عيسى  جاءت رسالة مجرم الحرب نتنياهو محملة بأكاذيب مكشوفة، يحاول فيها تحييد …