عبد الحميد بن حميد الجامعي
لقد اطلعنا -كما اطّلعتم- على رد الأخوة في المقاومة على خطة ترامب المقترحة، ولقد وُفِقُّوا -بالنظر لواقع الحال- أيَّ توفيق في مقاربتها، ومعالجتها بصورة بالغة الحكمة والدهاء.
إن موافقةَ المقاومة الشريفة جاءت بصورة تفصيلية، وليست موافقةً عمياء عامة.
فالموافقةُ الكاملةُ فقط كانت لبند الحرب ووقفها ودفع الأسرى مرةً واحدة، والباقي تعاملت معه بذكاء باهر.
إن هذه الموافقةَ على البند المختص بتبادل الأسرى دفعةً واحدةً تنتزعُِ به المقاومةُ العاذرةَ من الكيان (الأسرى والجثث) في سبب الحرب الرئيس (إعادة المخطوفين كما يعبر الكيان المختل)، وتُعَرِّيهِ أمامَ العالم، وتُحِرجُ داعميه وعلى رأسهم ترامب والإدارة الأمريكية الصهيونية، وهي أيضا تجعل المقاومة تحتفظ بسلاحها في باقي التفاصيل، فمثلا تَدَثَّرَ ردُّ الحركة بالقانون والقرارات الدولية، وقد عَمَّمَت ذلك في هذا المقام، ومن هذه القوانين وقرارات الشرعية الدولية المعلومة حقُّ المقاومة المسلحة ضد المحتل -دون أن تصرح به-، وتدثرت المقاومة أيضا بالقرار الوطني الفسلطيني، وأقصت السلطة المتخابرة مع العدو الصهيوني بشكلها الحالي عن حكم غزة، وأرجعته لحكومة تكنوقراط، وكثير من أولاء المستقلين وطنيون، ضد السلطة وكثير من قراراتها الخائبة والخائنة، وهم مع فلسطين واستقلالها وعزتها، وحق العودة وفك الأسرى، وكل ذلك هو مطلب المقاومة، كما جاءت الموافقة على بند التبادل للتخفيف ورفع الحرب مباشرة دون تأخير، وأيضاً ضرورة انسحاب الجيش الصهيوني من المناطق ليتسنى للمقاومة انتشال جثث الأسرى، وهذا سيعمل لصالحهم، ويضطر به الجيش المهزوم وقادته لوقف العمليات الحربية أولا، وللانسحاب ثانيا من حيث تأمر المقاومة وتشاء حتى تنتشل الجثث وذلك بسبب قوة ورقة الأسرى وارتجاعهم… في موقف يقلب الطاولة على المجرم نتنياهو وزبانيته، ويجعلهم ذليلين في هذه المرحلة -مرحلة التبادل- رهنَ أصبع المقاومة.
هناك قراءات ذكية جدا أخرى، لا يسعف المقام لسردها كلها، ومما قد يكون ساهم في ذلك الخَزْرَةُ والخداعُ الذي شعرت به الدول العربية والإسلامية التي رحبت بالاتفاق، في النقاط العشرين الاخيرة التي أعلنها ترامب في صورة خيانة واستخفاف بهم وقد باركوا على نسخة أخرى من الخطة قبل أن يغيرها نتنياهو مع ترامب، بعد أربع ساعات من اجتماعهم مع الأخير، كما ظهر أخيرا من تصريحات بعضهم من باكستان وتركيا ومصر وغيرها، وهو ما قد يكون خفف على المفاوض الفلسطيني الضغط العربي والإسلامي!
شخصيا في راحة تامة لقرار المفاوضين الشرفاء حفظهم الله وأكثر ما يشعر بالراحة التمكن الميداني العسكري والإثخان والقدرة على الصمود وأن كعبهم هو الأعلى ميدانيا، وهو ما جعلهم لا يتنازلون عن سلاحهم، ولا عن أرضهم، ويتمسكون بحقوقهم كاملة، ومن ثم لو رجع الصهيوني المجرم للقتال بعد الإفراج عن الأسرى فإن وضعه يومئذ والإدارة الأمريكية الصهيونية أمام العالم، بل حتى وفي الداخل الأمريكي -شعبا ونُخَبًا- ليس وضعها اليوم، وتزايد العداء الدولي والتحرك بما فيه العسكري سيكون أكثر احتمالا من اليوم، وكل معاني أسباب سقوط الكيان وانتحاره دبلوماسيا وعسكريا وأفول دولته يقترب من التحقق.
إن التفاوضَ حربٌ فكرية استراتيجية لا تقل في أثرها وحساسيتها بل قد تزيد على الحرب العسكرية.
وفقهم الله وسدد رميهم وأعلى رايتهم
وعسى نرجسية ترامب تعود على نتنياهو بالذل والصغار! رغم أنه لا معوِّلَ للمؤمن إلا الله ووعده، وما أعد من قوة حسب استطاعته، وسلاحه الذي بين يديه، ويقينه بربه، وأن النصر حليف المتقين الصادقين الصابرين الصامدين.
عبد الحميد بن حميد الجامعي
السبت
١١ ربيع الثاني ١٤٤٧ هـ
٤ أكتوبر ٢٠٢٥ م
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
