ذكاء وحكمة قرار المقاومة الفلسطينية والفرق ما بين الإطار والمحتوى

 

أ. د. مكرم خُوريْ – مَخّوُلْ
‏@ProfMKM

علينا الانتظار لنعرف فيما إذا كان سينجح ترامب بفرض رغبته (نتيجة الضغط العالمي عليه) على نتنياهو.
فترامب ليس وسيطاً نزيها محايداً وإنما شريكاً في ارتكاب جرائم العِرقبادة (الإبادة الجماعية والتطهير العِرقي) في قطاع غزة منذ توليه الرئاسة!

وعليه فهو كطاغية صهيو – أمريكي يسعى في فلسطين لمشروع اقتصادي صفقاتي لخدمة المحور الصهيو – أمريكي. وهو يعمل مع نتنياهو الذي لا ينساه للاتفاقيات وأكبر مثال هو لبنان. وذكّرنا وحذرنا يوم امس بالتشابه مع رسائل مكماهون حسين وخديعة العرب.

أشرنا إلى أن قبول خطط الاستسلام صعب. ورفض المقترحات – مثل مقترح ترامب بسبب ضغط أنظمة عربية وإسلاميّة احياناً أصعب. ويبقى هنا السؤال الأهم في هذه المرحلة :
كيف يمكن ان ترفض المقاومة الاستسلام وتبقى على قيد الحياة بشرياً وعسكرياً وسياسياً؟

قلنا ان اغلب من هم في قطاع غزة يريدون ان تتوقف معاناتهم من #العِرقبادة رغم أن جزءا منهم يعلم التبعات السياسية (تقريباً) لهكذا قرار.

من هو ليس “تحت الضرب” لديه “رفاهية” التحاور مع ذاته ومع الآخرين. توجد معضلة اخلاقية Moral Dilemma وأزمة سياسية Crisis Management!

إن رفض الاستسلام في هذا العِرقبادة إذا كنت الطرف الأضعف هو قرارٌ معقدٌ ينطوي على اعتباراتٍ استراتيجيةٍ ونفسيةٍ وعملية. وهنا يظهر ذكاء المقاومة!

في اطار معادلة القوة التي تبلورت حتى مطلع تشرين الأول 2025 والتي بدأت تأخذ ملامح المواجهة حتى “الحل النهائي” (إبادة شاملة أو تخفيف المواجهة) فهمت الأطراف كلها انه عليها في هذه النقطة وبعد عامين، تقليل الخسائر والقبول باتفاق ليس مثالياً ولكن بالامكان بواسطته وبشكل تدريجي النزول من عن الشجرة.
المؤشرات افادت إلى ان المقاومة الفلسطينية تفضّل الاستشهاد عن الاستسلام (مشهدية عرقبادية دموية على الملأ امام العالم والذاكرة الأبدية ) ما كان سيعني ان الاحتلال الاسرائيلي سيدخل في مرحلة أخرى أعلى من الإجرام ليس فقط انه كان سيرتكب فيها جرائم اضافية تهشم ما تبقى من سمعته ولكن ايضا تكبده الخسائر البشرية (عند اقتحام شوارع قلب مدينة غزة) مما سيصعب على نتنياهو الذهاب لانتخابات بملف رابح.

أهم ما وضعته المقاومة الفلسطينية نصاب أعينها في هذه المرحلة الدقيقة هو معاناة شعبها وحاضنتها ولكن دون التنازل والانسحاب بعيداً عن الاستسلام الذي اراد ان يفرضه الاحتلال. وبشكل ذكي أصرت على ألاّ يُخرجها من المعادلة وستبقى لاعبة أساسية رغم ان ذلك سيأخذ تكتيكات مُعدّلة.

اتخاذ القرارات يتعلق بسباق معادلة القوة والتضامن والدعم والذي لم يشمل دعماً عربياً كافياً لتغيير المعادلة وذلك نظراً لرغبة أنظمة عربية مركزية إضعاف حماس لأنها في نظرهم ما زالت تميل جناح الاخوان المسلمين المعادي لهم.

وقد ناشدنا في مطلع العِرقبادة محمد بن سلمان ومحمد بن زايد الضغط على الاحتلالين الأمريكي والإسرائيلي لوقف العِرقبادة والفصل بين جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي من جهة وعدم حبهم للإخوان المسلمين لكن هذا لم يكن سهلاً في البداية.

إذا ما رجعنا إلى خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة في ذكرى النكبة الـ 75 في أيار 2023 والذي سُمي شعبياً بخطاب “انقذونا” – ولم يُسرع احد بعده لإنقاذ الشعب الفلسطيني فقد اختارت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة خيار معركة “طوفان الأقصى” لأنه في نظرهم لم يستطع ولم يُقدم أحد على أية مبادرة جوهرية عملية بل ازداد الاستيطان والقتل والتهميش.

احدى الأمور المفيدة للشعب الفلسطيني سيكون انهاء الانقسام الداخلي لأن الوحدة فقط سيكون بإستطاعتها السير بثبات نحو بناء الدولة بقيادة م. ت. ف (والتي ستشمل الفصائل غير المنضوية تحت سقفها حالياً) – التي تم الاعتراف بها في الجلسة الثمانين في سبتمر الماضي (بالموجة الثالثة من الاعترافات) اعتمادا على تضحيات الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

حماس قبلت بمقترح ترامب كإطار ولم تقبل بكل محتواه وهكذا ستتوقف معاناة من هم على الأرض وتحت الضرب ومن هذا الاطار فرضت عليهم التحاور على كل نقطة وهذا ما سيحصل وهذا يعني عدم الاستسلام وعدم قبول النقاط كما يريدها الاحتلال. وهنا تظهر حكمة قبول فكرة المخطط وليس المخطط بالكامل.

وعليه ورغم انه سيستثمر بمشهدين أعادة الرهائن داخلياً فلن يستطيع نتنياهو الادعاء انه كسب هذه المعركة بينما ستدعي المقاومة انها قدمت الغالي في هذه العِرقبادة لكي لا تموت القضية الفلسطينية كما انها ستبقى لاعباً مركزياً في الحياة الفلسطينية لأنها نهجاً وليس فقط حركة مناورة موسمية!

ونهاية نقول أنه ليس هذا الوقت لتصريحات ساخرة تشاؤمية تُحبط العزيمة وإنما لرص الصفوف وتخفيف المعاناة عن أهلنا في قطاع غزة – قِبلةُ الدنيا !

التاسعة صباحاً بتوقيت لندن
السبت 04.10.2025

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …