من خراسان إلى القدس ملحمة الولاية في وجه الاستكبار

رسول حسين أبو السبح

في زمنٍ تتقاذفه العواصف، وتتناوشه قوى الاستكبار شرقاً وغرباً، يولد الحلم من رحم الجراح، ويشقُّ الأمل طريقه من بين ركام الهزائم. حلمٌ لم يكن سراباً ولا خيالاً، بل رؤية متجذرة في أعماق المذهب، وإيمان راسخ بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن وعد الله آتٍ لا محالة. هنا، من أفغانستان حيث خراسانُ الأزل، إلى فلسطين حيث القدسُ والميقات، تنهض فكرة الدولة الشيعية الجامعة، الممتدة كقوس نور يربط المشرق بالمغرب، تحكمها الولاية، ويقودها الولي الفقيه، دستورها القرآن وأحكامه، وسياجها دماء الشهداء.

منذ أن سقطت الأمة في براثن التشتت والتشرذم، وهي تلعق جراحها وتنتظر من يعيد إليها مجدها المسلوب. لكن وسط هذا الظلام، انبثقت شعلة الولاية، لتعلن أن الإسلام المحمدي الأصيل لا يُدفن تحت الركام، ولا يُمحى بجبروت الطغاة. شعلة أضاءت سماء قم والنجف، ثم تسللت إلى صدور المؤمنين في لبنان والعراق واليمن والبحرين، حتى بلغت قندهار وكابول، وامتدت إلى غزة والقدس.

هذه الشعلة لم تكن مجرد فكرة سياسية، بل كانت صرخة روحية، دمجت الإيمان بالعقيدة بالثورة. إن مشروع الدولة الشيعية الممتدة، ليس مشروع حدود وجغرافيا، بل مشروع قلوب تهفو إلى العدل الإلهي، وأمة تسعى إلى رفع راية “لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وعلي ولي الله”.

في قلب هذه الملحمة يقف الولي الفقيه، ليس كزعيمٍ دنيويٍّ يبحث عن سلطة، بل كامتداد لخط الإمامة، حافظٍ للشريعة، وسادنٍ للقيم. الولاية هنا ليست حكماً ديكتاتورياً كما يتوهم المستكبرون، بل ولاية شرعية تعكس حكمة الله في الأرض. إنها قيادة جامعة، تملك الشرعية من النصوص والعقل، وتستمد قوتها من بيعة المؤمنين ودماء الشهداء.

هذه القيادة تعيد صياغة مفهوم الدولة، فليست الدولة جغرافيا مرسومة على الخرائط، بل جسد عقائدي يمتد بامتداد المعتقد. من هرات إلى بغداد، ومن دمشق إلى الضاحية، ومن صعدة إلى غزة، يتنفس الناس هواءً واحداً، ويهتفون بشعار واحد، “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام”.

إن الاستكبار العالمي، بزعامة الولايات المتحدة وإسرائيل وأذنابهم، لم يعلنوا حربهم على المذهب الشيعي اعتباطاً، بل لأنهم يدركون أن هذه العقيدة تحمل بذور التمرد على الطاغوت. إنهم يخشون من قيام دولة لا تخضع لإملاءاتهم، ولا تركع لهيمنتهم الاقتصادية والعسكرية.

من هنا، فإن مشروع الدولة الممتدة من أفغانستان إلى فلسطين، ليس مجرد تهديد سياسي لهم، بل تحدٍ وجودي. فهذه الدولة، إذا قامت، ستكون سيفاً قاطعاً في وجه الهيمنة الغربية، وجداراً منيعاً يحول دون نهب ثروات الأمة، وصرخة مدوية في وجه كل طاغوت.

ومن جهة اخرى، ليست الجغرافيا عائقاً أمام الولاية، بل هي ميدانها الطبيعي. من جبال هندوكوش في أفغانستان، حيث ينمو الإيمان صلباً كالصخور، إلى سهول العراق حيث كربلاء والنجف، ومن شواطئ المتوسط في لبنان حيث رايات المقاومة، إلى بوابات فلسطين حيث الأقصى، ينساب خط المقاومة كجدول دماء.

كل أرض تُفتح بدم شهيد، وكل شبر يُحرر بصرخة “لبيك يا حسين”. فالمشروع الشيعي لا يقوم على الدبلوماسية المائعة، ولا على تحالفات المصالح المؤقتة، بل على عقيدة أن الدم أقوى من السيف، وأن الشهادة طريق الخلود.

ليست القدس في مشروع الدولة الشيعية مجرد مدينة محتلة، بل هي البوصلة التي تحدد اتجاه المسير. فكما قال الإمام الخميني، “القدس هي قضية الإسلام”. إن امتداد الدولة من خراسان إلى فلسطين ليس توسعاً جغرافياً، بل رحلة عقائدية تنتهي عند أولى القبلتين وثالث الحرمين.

وحين تتحرر القدس تحت راية الولاية، لن يكون ذلك انتصاراً جغرافياً وحسب، بل سيكون إعلاناً بأن مشروع المستضعفين قد انتصر على مشروع المستكبرين، وأن دماء الحسين قد هزمت سيوف يزيد، وأن وعد الله قد تحقق. “ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين”.

هذه الدولة، الممتدة من الشرق إلى الغرب، لا تقوم على عصبية قومية، ولا على شهوة سلطة، بل على إقامة العدل. فهي دولة القرآن، التي تحكم بالشريعة، وتعيد للإنسان كرامته. في ظلها، لا يُظلم فقير، ولا يُهان يتيم، ولا يُستعبد شعب.

إنها دولة الشهداء والأحرار، حيث يصبح الحاكم خادماً للأمة، ويغدو الشهيد تاجاً على رؤوس الأحياء. إنها دولة تسقط الحواجز المصطنعة التي رسمها الاستعمار بين شعوب الأمة، وتعيد توحيدها تحت راية واحدة، راية يا لثارات الحسين.
صرخة في وجه العالم.

سيقولون إن هذه الدولة طوباوية، أو أنها مشروع وهمي، أو أنها خيال سياسي. لكنهم ينسون أن كل الثورات العظمى في التاريخ وُلدت من رحم المستحيل. من كان يظن أن حفنة من الرجال في كربلاء سيكتبون بدمائهم ملحمة خالدة تتحدى الزمن؟ ومن كان يظن أن ثورة المستضعفين في إيران ستسقط أعتى نظام مدعوم غربياً؟.

اليوم، تُكتب صفحة جديدة من التاريخ، عنوانها التحدي والولاية، وفصولها دماء الشهداء وصبر المجاهدين. وليعلم المستكبرون أن هذه الأمة لا تعرف الاستسلام، وأن مشروعها لا يُهزم بالقنابل ولا بالعقوبات.

من خراسان إلى القدس، تمتد الخريطة الجديدة للعالم الإسلامي، لا كما يرسمها الطغاة على الورق، بل كما يرسمها الشهداء بدمائهم. إنها خريطة الولاية، حيث تتوحد الأمة تحت راية الفقيه العادل، وتسير نحو مواجهة الاستكبار بلا خوف ولا وجل.

هذه ليست أحلاماً معلقة في فضاء الأمنيات، بل واقعاً يتشكل كل يوم في جبهات المقاومة، في وجوه الأطفال الذين يهتفون للموت في سبيل الله، وفي قلوب الأمهات اللواتي يزففن أبناءهن إلى الشهادة بدموع الفرح.

إن وعد الله لا يتخلف، وإن مشروع الدولة الشيعية الممتدة ليس إلا مقدمة لظهور الإمام المهدي، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. وما النصر إلا من عند الله، وما الملحمة إلا بداية الفتح المبين.

شاهد أيضاً

رسالة نتنياهو للبنانيين. تزييف للحقائق وتبرير للقتل

بقلم الكاتب نضال عيسى  جاءت رسالة مجرم الحرب نتنياهو محملة بأكاذيب مكشوفة، يحاول فيها تحييد …