بشرى المؤيد
إن الإنسان في الدنيا مازال يعيش في فسحة تامة و سعة كاملة يستطيع من خلالها مراجعة نفسه و أعماله، و تصرفاته وأقواله،أفعاله و سلوكه؛ يستطيع تلافي ما أفسد،يستطيع إرجاع المظلوميات لأصحابها،يستطيع أن يراجع علاقته مع ربه، يستطيع أن يعمل الأعمال الصالحة و يتوب من الأعمال السيئة التي إقترفها في حياته،يسطيع أن يكون قريب من الله بعدة طرق،يستطيع تصحيح مسار حياته،يستطيع إتخاذ قراراته،يستطيع أن يعمل كل الأعمال الصالحة التي تجعله موفق في حياته و تجعله يعيش في سلام داخلي، يستطيع إن يعمل و ينجز ويحقق ما يريد؛ لكن في الآخرة كل ما ذكرناه سابقا لا يستطيع عمل أي شيئ فالفرصة التي كانت موجودة في الدنيا ذهبت و ما سيلاقيه في الآخرة إلا تطاير الصحف و فيها إخبار و إيجاز لنهاية رحلته في الدنيا و ماهي أعماله التي حصدها إن كانت خيرا إستبشر بأخذ صحيفته بيمينه و إن كانت شرا أخذها بيساره أو من وراء ظهره قال تعالى ” فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا” فيقلب صفحاته ويرى أعماله. فأعمال الخير أو الشر سيراهامكتوبة كلها بصغيرها و كبيرها فيقول “﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا”
سيحاول البعض أن يجدوا أعذار و يستسمحون من الله بأن يغفر لهم ذنوبهم و ما إقترفوا من ظلم للناس ،سيحاولون أن ينكرون و يقولون بأنهم لم يسمعوا و لم يشاهدوا من ينذرهم أو ينصحهم ليسلكوا طريق الخير لكن هذا سيبوء بالفشل لأن الله سبحانه أخبرنا بأن كل أمة لها شهيد من الأنبياء يشهد عليهم بأنه أوصل رسالة الله كاملة لهم و أنهم أنذروا و بشروا لكنهم كانوا يتمادون،يسخرون،يكذبون،يستهزئون،يجحدون، حتى أن البعض تمادوا و قتلوا أنبيائهم. قال تعالى:”فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا”
ثم أتى بعد الأنبياء ورثة الأنبياء وهم المؤمنون الصادقون و أعلام الهدى الذين واصلوا خطى وهدى وتقى هذا الخط المستقيم “إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ”
فليس هناك حجج واهية بأنهم لم يأخذوا العلم الصحيح من مصدره الصحيح وهو القرآن،و النبوة،و الأولياء الصالحين أعلام الهدى من جعلوا نهج الله ونهج رسولهم هو خريطتهم و خطهم المستقيم.
سيقول لهم الله لقد جاؤوكم و بينوا لكم ما كان يعتم عليكم ،ما كان يخفى عليكم،ما كان يشوش أفكاركم وكانوا يتلون عليكم آياتي و تتخذونهم هزوا و سخرية و تكذبونهم و تفترون عليهم قال تعالى “أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ”
وهكذا في كل زمان و مكان هناك من يؤمنون بالله وبما جاء في كتابه وهناك من يكفرون بكل ما أنزل في الكتاب المبين. و الإنسان الكافر ليس الكفار فقط وإنما يندرج معهم مسلمون يكفرون بآيات الله و ما أنزل من عند الله وبكلام الله لا يسمعون و لا يطيعون أوامره و نواهيه و أيضا منهم المنافقون
“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا *فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ”
إن اليوم العسير في مواجهة المصير يوم القيامة، يوم فيه ألم، يوم لا ينفع فيه ندم ولا حسرة، ولا بكاء و ترجي لله بأن يعودوا للدنيا ليعملوا أعمالا صالحة. حين نرى البراكين تتفجر من الجبال و فوهتها التي تحدث صوتا مخيفا من قوة الإنفجار نقول في أنفسنا ” نعوذ بالله من نار جهنم” هذا بركان الدنيا فكيف سيكون بنار جهنم حين يسمعون حسيسها، شهيقها ،و زفيرها؛ سيجثون على ركبهم لا يستطيعون التحرك فتأي ملائكة العذاب يرجمونهم رجما بكل غلظة و قسوة قال تعالى” إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا” و قوله تعالى : {إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ”
هذه الأوصاف وغيرها الكثير في القرآن الكريم تبين شدة عذاب جهنم، وأنها ليست مجرد نار عادية، بل هي نار ذات صفات وأهوال عظيمة. فنعوذ بالله من نار جهنم و حريقها و نسأل الله الهداية و البصيرة في الدنيا و الآخرة.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
