بقلم فواز الجنيد
رجلٌ يرى في اللغة انتماء، وفي الإيمان حياة، وفي الفكر وسيلة للارتقاء لا للمراوغة.
تراه إذا تحدّث، تحدّث بهدوء من عرف مقام الكلمة، وإذا صمت، صمت بحكمة من ذاق لذّة التأمل.
حضوره ليس صارخًا، بل عميقًا، كأنك تُصغي إلى نبض التاريخ لا إلى صوت فرد.
وإن نظرت إليه، رأيت في ملامحه سكون الواثق، وفي خطاه ظلال رجل يعرف وجهته، ولو سلكها وحده.
هو رجلٌ تشكّلت ملامحه من جذورٍ ضاربة في الأرض، لا تُهزّها العواصف، ولا تُغريها مواسم الزيف. في حضوره ثباتٌ يشبه الحجارة الأولى التي بُنيت بها المدن العتيقة، وفي سُكونه جلالٌ من يعرف أن الصمت أبلغ من كل صخب.
في ملامحه هُوية لا تبحث عن تعريف، بل تُفرَض احترامًا. كأنّه خُلق من طينة العارفين، الذين لا ينطقون إلا بعد تمام الفهم، ولا يرفعون أصواتهم إلا على الباطل.
هو ابن الإرادة، لكنّه عبدٌ لليقين. لا يُنازع في رأيه إلا وهو عارف أن الرأي ليس سلاحًا، بل أمانة. تراه يمضي بين الناس كما يمضي السراج في العتمة: لا يطلب أن يُرى، لكنه يُضيء ما حوله دون عناء.
في كلماته أثر الموازين العتيقة، حيث تُوزن الحروف بميزان العقل، وتُختار المعاني لا لهوى، بل لقيمة. لا يُبالغ، لا يُجامل، ولا يتزين بما ليس فيه. يُشبه الفكرة حين تكتمل، والموقف حين يُقال دون وجل.
هو مزيجٌ نادر من الهيبة والبساطة، من العمق والوضوح، من التواضع والوقوف بثقة.
تُصغي إليه لا لأن صوته مرتفع، بل لأن خلف صوته صدقًا لا يُشترى، ونقاءً لا يُزوَّر.
هكذا يكون الرجل إذا التقت فيه جذور الأرض، وسمو الروح، وصدق النيّة
فتحضره لا يُطلب، بل يُحسّ، كما تُحسّ ملامح الفجر حين تنسل من عتمة الليل بلا ضجيج. لا يُشبه أحداً، ولا يحاول، لأن فرادته ليست في المظهر، بل في الجوهر؛ في عمق الرؤية، ورجاحة الفكرة، وسمو الطبع.
يختار كلماته كما يختار الزاهد موضع سجوده، ويصغي كما يصغي العاقل لصدى قلبه. لا يركض خلف الأضواء، لأنها عنده مجرّد ظلال، لا تزيد الحقيقة نقاء. في حضرته، تتراجع الأصوات المرتفعة، ويعلو صوت المعنى، كأن للسكينة حوله حراسة خفيّة لا تراها العين، لكن تراها القلوب.
هو رجل يعرف أن الكلمة مسؤولية، وأن المواقف ليست زينة تُعلّق، بل امتحان تُبنى به النفوس. يقف حيث يقف العقل، وينحاز حيث يجب، لا حيث يُراد له أن يكون. إن خاصم، خاصم بنُبل، وإن رضِي، رضِي عن بيّنة، وإن مشى، مشى بخطى من يعرف الطريق، لا من يُجربه.
تلك هي هيئته: لا تخلو من البساطة، لكنها مملوءة بالهيبة؛ لا تغريها المظاهر، ولا يخذلها الداخل.
رجل إذا تأملت سلوكه، أدركت أن بعض النفوس خُلقت لتكون ميزاناً في زمن الخفة، ونوراً في دروبٍ امتلأت بالغبار.
فيه من الأرض ثباتها، ومن السماء طموحها، ومن التاريخ أثر لا يبهت مهما طال الزمن.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
