L *حين اشتقنا أن نحب بعضنا انا لست شيعياً، ولا دروز سوريا دروز

بقلم: ناجي علي امهز

في البدء، كان هذا الشرقُ متسعًا للمحبة، كان شرقًا ليسوع الذي ناجى من فوق خشبة الألم: “يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ”، وأوصى قائلًا: “أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ”.

وكان شرقًا لعليٍّ بن ابي طالب الذي رأى في الإنسان قسيمَ روحٍ، فقال: “إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَخًا فِي الدِّينِ، فَهُوَ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ”.

أمّا اليوم، فقد غدا هذا الشرقُ أسيرَ عقلٍ تلموديٍّ، لا يرى في الآخر سوى “غوييم”، حيوانٌ صاغه الربُّ في هيئة بشرٍ لخدمة سادته. وغدا للشرقِ شريعةٌ أخرى، تُستلُّ من فتاوى ابن تيمية التي اعتبرت الدروز والنصيرية “كفارًا مرتدين، لا تحل ذبائحهم ولا نكاح نسائهم، ولا يُقرّون بالجزية”.

والعجبُ أن من يستلّون سيف التكفير هذا، يتجاهلون أن ابن تيمية نفسه، على تشدده، لم يرمِ عوام الشيعة بالكفر المطلق، بل رأى في جهلهم عذرًا، وأقرّ في أواخر أيامه أنه لا يكفّر أحدًا من أهل القبلة. وحين ناظر المسيحيين، ورغم نقده العقلي اللاذع للتثليث والصلب، دعا إلى محاورتهم بالحكمة، بل وطالب بإطلاق سراح أسراهم من يد التتار، معتبرًا إياهم أهل ذمة. فظلَّ الرجل نفسه بين صرامة الفكر ورحابة الموقف الإنساني.

في هذا الزمن الذي استحالت فيه العيون بنادق، والكلمات مقاصل، أبحرُ في فضاء السوريين الأزرق، فتصطدمُ عيني ببحرٍ من الحقد، تتقاذفُ أمواجُه جثثَ الكلمات. أرى دروز سوريا يُسحَلون على الشاشات، يُرجَمون بالمنشورات، تُهدَمُ كراماتُهم بهاشتاغ. لم يعد القتلُ فعلَ بارودٍ، بل صار فعلَ كلمة، واغتصابًا بالمنشور، وهدمًا بالوسوم.

والعلويون؟ والشيعة؟ كلُّ من لا يُشبه لون القطيع، أمسى مشروعَ مذبحة.

لم أعد أفرّق بين صورة مقاتلٍ يحمل سيفًا من حديد، وصورة متصفّحٍ يجرّد سيفًا من حقد. ولكن، هل سأل سائلٌ عن حال الدروز؟ هل تُرى يقاتلون لأنهم مهمّشون، أم لأنهم خرجوا من دفاتر السياسة وقد قدّموا كل شيء ولم يبقَ لهم شيء؟ هل تنزف السويداء لأنها تتألم، أم لأنها “كافرة”؟

هذا البغضُ ليس وليدَ معركة، بل هو إبليسُ هذا العصر، وُلِدَ من رحم الشرقِ المكلوم، وصار يمشي على قدمين، ويغرّد من حساباتٍ وهميّة. اليوم، تُستلُّ فتاوى غابرة ضد أناسٍ لا يهدّدون أحدًا، لا اقتصادًا ولا ديمغرافيا ولا عددًا. كلُّ جريمتهم أنهم مختلفون، فصار قتلهم واجبًا، وسبي نسائهم غنيمة، وهدم بيوتهم نصرًا مبينًا.

أيُّ انهيارٍ أخلاقيٍّ هذا؟ وأيُّ انحطاطٍ يجعل سوريا تبتلع أبناءها، وتتقيأ تنوّعها؟ لم تعد المسألة حربًا بين رابحٍ وخاسر، بل مجزرةً في وجدان الوطن، لن ينجو منها أحد.

أنا مفطور القلب. على الدروز، على العلويين، على أطفال الشيعة الذين غادروا بيوتهم. والأشد حزنًا على هذا السوري الذي لم يعد يرى في ابن وطنه أخًا، بل كافرًا يستحق الذبح.

كانت بلاد الشام مهدًا للحضارات، وها هي اليوم تُصبح لحدًا للأقليات. لم ينجح العدو في تقسيمكم بالدبابات، فنجح بتقسيمكم بالمنشورات. كانت كلمة “كافر” تُطلق على الغازي، وصارت تُطلق على الجار.

وحتى خطاب الدولة لم يعد يليق بدولة. هل استحالت دمشقُ، عاصمةُ الأبجديات والقرار، مجرّد مكتب علاقاتٍ عامة يشكر واشنطن على جهودها في المساهمة بحل ازمة وطنية داخلية، الاجدر بالوطن حلها.

أيها الشرق… أنت لم تعد هنا. لقد أرجعَنا الزمنُ القهقرى إلى عام ألفٍ وخمسمئة، وها هم السلاجقة يتهيؤون لخلع رداء التاريخ، والمماليك يلوّحون براياتهم السوداء.

نداءٌ إلى ما تبقّى من أقمارٍ في سماوات لبنان وسوريا والعراق: من يحرّض على طائفة، إنما يذبح طائفته بيديه. فالتاريخ لا يرحم، والجغرافيا تلتهم الصغار. اتركوا هذا الهذيان، وعودوا إلى لحظةٍ واحدةٍ فقط: لحظة “اشتقنا نحب بعضنا”… قبل أن نفيق على شرقٍ بلا حب، وبلا تعدد، وبلا بشر.

وختامًا، يا أمريكا، ويا أوروبا، افتحا لنا بواباتِ المنفى. أخرجونا من أرضٍ لم تعد لنا، أرضٍ تحوّلت إلى مقابر جماعية لأجسادٍ بلا رؤوس، قُطعت باسم الدين. دعوا هذا الشرق لإسرائيل والتطرّف، فهما وجهانِ لعملةِ إجرامٍ واحدة، ودينٌ تلموديٌّ واحد. دعوا هذه الصحراء القاحلة لزهورها وفراديسها القليلة، دعوا هذه العصافير والفراشات تنجو في زمن الديناصورات.

دعونا نعيش، أو دعونا نرحل، وإلا فليبقَ هذا الشرقُ ساحةً للوحوشِ، فلا شيءَ ههنا غير القتل والموت والفناء.

شاهد أيضاً

الماسونية اليهودية والحروبى

عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين د. عصام العيتاوي الماسونية هي نتاج ( *يهودية* – *صهيونية* )، …