ألعاب الجوع في غزة: هندسة التجويع وعسكرة المساعدات

بيسان عدوان

في “The Hunger Games”، لم يكن الجوع مجرد معاناة، بل وسيلة للهيمنة.
في ديستوبيا “بانيم”، كانت السلطة تُخضع شعوب الأقاليم عبر حرمانهم من الطعام، ثم تمنّ عليهم به مشروطاً بالخضوع والذل والمشاركة في لعبة الموت المتلفزة. الجوع لم يكن نتيجة حرب أو خلل بيئي، بل أداة مقصودة من أدوات الحكم، تُدار بدقة وبدم بارد. لم يكن الصراع على الخبز منفصلاً عن القتل، بل هو القتل نفسه مغلفًا بمعونة.

اليوم، غزة ليست بعيدة عن هذا المشهد الرمزي. ففي رفح، لم تكن هناك ألعاب جوع، بل مجازر جوع حقيقية. الركض نحو كيس دقيق لم ينتهِ بوجبة، بل برصاصة. مشهد كابوسي لا يحمل أية رمزية متخيلة، بل ينهض من تراب الدم وحقيقة الحصار. وهنا، تظهر الولايات المتحدة لا كراعية سلام، بل كصاحبة الامتياز الحصري في إدارة نظام “الألعاب” هذا، حيث تتحول المساعدات إلى أدوات إذلال، ويُهندس الجوع كسلاح دقيق التأثير.

هندسة التجويع: سياسة القتل البطيء

ما يجري في غزة منذ أكثر من سبعة أشهر ليس أزمة غذاء، بل مشروع تجويع سياسي ممنهج. تم تدمير البنية الزراعية، قُطعت سلاسل الإمداد، أُغلقت المعابر، وتُرك أكثر من مليوني إنسان يواجهون الموت البطيء تحت سقف الحصار. هذه السياسات ليست عرضية ولا فوضوية، بل تشكّل جزءًا من عقيدة عسكرية تسعى إلى كسر الجماعة الوطنية الفلسطينية وتفكيكها من الداخل.

بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية (1948)، فإن “فرض ظروف حياة يقصد بها تدمير الجماعة كليًا أو جزئيًا” يُعد جريمة إبادة. من هذا المنظور، ما يُرتكب في غزة يتجاوز الحصار التقليدي، ليصل إلى تخطيط فعلي للإبادة عبر التجويع، وهو ما وثّقته منظمات دولية وحقوقيون مستقلون.

عسكرة المساعدات: عندما يصبح الخبز قنبلة موقوتة

لم تكتفِ إسرائيل بمنع الغذاء، بل أعادت تقديمه كسلاح جديد عبر “مناطق عازلة” و”مراكز توزيع” أشبه بمعسكرات تجميع، تُدار على وقع القنص والتجويع، وتخضع لتجريب استخباراتي مكثف. وبدلًا من محاسبة الجلاد، دخلت الولايات المتحدة على الخط بغطاء “إنساني” عبر الإسقاطات الجوية، التي ثبت لاحقاً أنها لم تُنقذ أحدًا، بل دعمت سردية الاحتلال وأدامت الفوضى.

الإسقاطات الأميركية للمساعدات، التي تم تصويرها كأفعال رحيمة، كانت تأتي دائمًا بعد شحنات السلاح إلى إسرائيل. في مشهد سوريالي، تُلقى قنابل في الليل، وعلب الطعام في الصباح. المساعدات لم تكن إنسانية، بل جزءًا من حملة علاقات عامة إمبريالية، تؤكد هيمنة واشنطن لا تعاطفها.

غيتوهات الجوع: بين الخط الأخضر وخط الخبز

مراكز المساعدات التي أنشأتها إسرائيل، بدعم أميركي، لم تكن سوى غيتوهات حديثة تُحشر فيها الجماهير الجائعة تحت رقابة الطائرات والكاميرات، وتُضرب بالرصاص إذا حاولت كسر النظام. الفشل الذريع لتلك “المناطق الآمنة” كان متوقعًا، لأنها لم تُبنَ لحماية الناس، بل لضبطهم ومراقبتهم. وهي إعادة إنتاج حرفي لفكرة “مناطق التجميع” في المستعمرات القديمة، حيث يُمنح الجائعون فتات الحياة مقابل الصمت.

النتيجة: صك الغفران الأميركي للمجزرة

الولايات المتحدة، في هذا السياق، لا تلعب دورًا إنقاذيًا، بل توفّر للاحتلال البنية التحتية القانونية والسياسية والمادية لاستمرار مشروعه. إن تقديم المساعدات مشروطة بالاحتلال، وتحويلها إلى أداة للابتزاز، يُعد خرقًا جوهريًا للقانون الدولي الإنساني. بل إنه يفضح تواطؤًا مباشرًا مع الجريمة، باسم الإنسانية.

ما العمل؟

المطالبة بتحقيق دولي مستقل في جرائم التجويع واستخدام المساعدات كسلاح.

مقاطعة المبادرات الإغاثية التي تمر عبر الاحتلال أو تُدار ضمن هندسته الأمنية.

دعم آليات إيصال المساعدات من خلال أطراف دولية محايدة، بعيدًا عن الفلك الأميركي الإسرائيلي.

الضغط الشعبي والإعلامي لفضح ما وراء “العسكرة الخيرية”، ولإعادة تعريف العمل الإنساني خارج منطق الهيمنة.

في “The Hunger Games”، كانت “كاتنيس” تخرق النظام بلقمة خبز وحجر مقلاع. في غزة، المقاومة ليست درامية، بل فطرية، جذرية، ووجودية. والخروج من هذا الكابوس لا يمر عبر المساعدات، بل عبر كسر هندسة الموت ذاتها، وكشف يد واشنطن وهي تُمسك بالسلاح في يد، وبكيس طحين في الأخرى.
#غزة #هندسة_التجويع #FreePalestine #Gaza #genocide

منقول

شاهد أيضاً

للنبطية أقدم حزني

الإعلامية جمانة كرم عياد سيدتي يا زينب العصر، يا نبطية، كنت كما كل سنة أحضر …