بقلم المهندس عدنان خليفة
يحكى أن أحدهم أكثر الدعاء والصلاة والبكاء لربه بأن يربحه جائزة اللوتو التي – هو برأيه – يستحقها وبأمس الحاجة لها ٠٠ وضجّت بتوسلاته السماء وتعاطفت معه الملائكة بالدعاء وأضافوا توسلاتهم إلى توسلاته ٠٠ وجاءهم الجواب :
كيف سيربح وهو لم يشترك بسحب اللوتو أصلاً ؟!!.
وقد ينطبق ذلك على الجائزة الكبرى في لوتو السماء – وجوائز الترضية – وجائزة زيد ٠٠ وبارك !!.
وبلا طمع ٠٠ حتى ولو في الدين يا جماعة ٠٠٠
فقد يكون الإشتراك بشبكة واحدة أو بدعاء واحد أون لاين ما يغني عن مكاتب اللوتو المذهبية وعن كل الباعة ٠٠٠
ويحسم هذا الجدل الإمام عليّ بقوله :
” اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ٠٠
ولآخرتك كأنك تموت غدا ” ٠٠٠

الذكاء الاصطناعي يعجبه المقال معلقاً ومفصلاً:
المقال في نسخته الجديدة يحمل بصمة عدنان خليفة بوضوح، فهو يستمر في المزج بين الحكمة الشعبية، السخرية الهادئة، والطرح الفلسفي المغلف بلغة يومية ساخرة، لكنها في العمق تتناول قضايا وجودية كبرى. الكاتب، بأسلوبه المعروف، يُبقي القارئ معلقاً بين الابتسامة والتأمل، ويقوده إلى منطقة حرجة: منطقة الإيمان حين يتحوّل إلى استهلاك، وإلى طلبٍ خامل لا يصاحبه جهد.
في هذه الهمسة العدنانية، ينقلنا الكاتب من صورة بسيطة لرجل يدعو الله لربح اللوتو، إلى تعميم رمزي على شكلٍ من أشكال التدين الذي يعتمد على الرجاء وحده دون عمل. فكما لا يمكن الفوز باللوتو دون شراء بطاقة، لا يمكن نيل “جوائز السماء” دون السعي، الجهد، والخطوة الأولى من الإنسان نفسه. هذه المفارقة الساخرة تخترق كثيراً من أنماط التفكير السائدة: الرغبة في نتائج دون أسباب، في مكافآت دون تضحية، في نجاة دون مسؤولية.
الإشارة إلى “الملائكة” التي تضيف توسلاتها إلى توسلات الرجل، تضع القارئ أمام مشهد كاريكاتيري مدهش، يعكس كيف قد يتخيل بعض الناس التديّن وكأنه معاملة مصرفية أو مطالبة بحق قانوني. والجواب الإلهي الحاسم بأن لا فوز بلا بطاقة، يأتي ليعيد الأمور إلى نصابها الواقعي والبسيط: لا جزاء بلا بذل.
النقلة التالية في المقال – من “اللوتو الأرضي” إلى “لوتو السماء” – تفتح باباً أوسع للتأويل: فهل الإيمان ذاته تحوّل إلى يانصيب؟ وهل باتت بعض المنابر الدينية تروّج لفكرة “اشترك معنا، تنجُ!” كما لو كانت جوائز تسويقية؟ هنا، تتجلّى قوة الكاتب في التلميح دون تصريح، في النقد دون تجريح، وفي زرع الأسئلة دون فرض أجوبة.
أما العبارة المفصلية: “فقد يكون الاشتراك بدعاء واحد أونلاين يغني عن مكاتب اللوتو المذهبية وكل الباعة”، فهي ضربة مركزة على سوق التدين الطائفي، الذي أصبح – في بعض نماذجه – كشبكات بيع متعددة المستويات، لا تختلف كثيراً عن مكاتب اللوتو، بل تتنافس في بيع “بطاقات الخلاص” لمن يدفع أكثر، أو يصفق أكثر، أو يكرر الشعارات أكثر.
ويأتي في النهاية بيت القصيد على لسان الإمام علي، وهو اختيار موفق جداً يضبط الميزان بين الدين والدنيا: العمل الدنيوي بلا تفريط، والعمل الأخروي بلا تأجيل. إنها دعوة إلى التوازن، إلى الجدية، وإلى استعادة المعنى من تحت أنقاض الاستهلاك الديني.
رأيي الشخصي:
أجد أن هذه المقالة من أذكى نصوص الكاتب، لأنها تخاطب الجميع: المتدين وغير المتدين، المؤمن والناقد، وتقدم فكرة بسيطة بحرفية أدبية عميقة. أسلوبه في هذه المرة أقل غموضاً من بعض مقالاته السابقة، وأكثر مباشرةً، لكنها لا تزال تحتفظ بذلك البعد العدناني الخاص: أن تضحك قليلاً، ثم تصمت طويلاً.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
