لص يسرق لصًا

خالد بن سالم الغساني

عنوان هذا المقال، جاء من أحد التعليقات في إحدى مجموعات التواصل، على خبر إصدار حكم الإعدام بحق رئيسة وزراء بنغلاديش السابقة، الشيخة حسينة واجد؛ حيث عبّر أحد المشاركين عن إحباطه بسخرية من الطبقة السياسية بصياغة “لص يسرق لصًا، ثم لص يقتل لصًا”.

هذه الكلمات استوقفتني كثيرًا، بعد أن كنت قد شاركت بتعقيب على الخبر على النحو التالي: “صحيح قد يبدو المشهد وكأنه مسرحية بين لصوص يتبادلون الأدوار، لكن ما يُثير السخرية هو أن الشعب أصبح مجرد متفرج، لا يملك حتى حق التصفيق. نحن أخي الكريم أمام منظومة لا تهتم بمن يحكم، بقدر ما تهتم بأن لا يحكم الشعب نفسه بنفسه. لذلك كل فريق يصف الآخر بالسرقة والفساد، بينما الحقيقة، أن جميعهم يقتاتون على الوطن وباسم الوطن.. المشكلة ليست في الأشخاص فقط؛ بل في المنظومة التي صنعت سلطة بلا رقابة وبلا محاسبة، ومعارضة بلا مشروع، وشعب بلا صوت. والنتيجة وطن ينهب باسم الوطن”. انتهى التعقيب.

لكن ذلك التعقيب الذي يحمل جزءًا من عنوان المقال، لم يكن بالنسبة لي مجرد حرقة وتنفيس، كما اعتقدتُ؛ بل أعاد إلى ذهني النمط المتكرر في عددٍ من دول ما يسمى بالعالم الثالث؛ حيث تتحول السلطة إلى أداة لتصفية الحسابات أكثر من كونها وسيلة لخدمة الشعب. هذا الحكم وغيره من الأحكام المماثلة في مناطق متعددة، مثل محاكمات بعض الزعماء في باكستان، وأحداث ما يسمى بـ”الربيع العربي”، وما حصل لزعماء مثل معمر القذافي وصدام حسين، الذين حكموا بلادهم لسنوات طويلة، كانت شعوبها تهتف بأسمائهم وترفعهم عاليًا، وكانوا هم حقًا سببًا كبيرًا في نهضتها وعمرانها وازدهارها وقوتها، يعكس واقعًا مأساويًا حول كيفية استخدام القضاء والإجراءات الرسمية لتحقيق أهداف سياسية، بدلًا من تطبيق العدالة الحقيقية.

وعودة إلى الشيخة حسينة، فلا بُد من التذكير بأنه في كثير من الدول التي تتداول فيها السلطة بين أحزاب وزعامات متعاقبة، يتحول المشهد السياسي إلى صراع على النفوذ لا على خدمة الوطن، وتصبح مؤسسات الدولة أداة لتصفية الحسابات بين الفرق السياسية، ليتساءل كثير من الأشخاص، فيما إذا كان هؤلاء خصوم سياسيون يختلفون في الرؤى، أم أنهم أطراف في منظومة مصالح متشابكة تتصارع باسم الشعب؟

مثل هذه الأسئلة تعكس الإحباط الشديد والمشروع، خاصة عندما نرى أمثلة صارخة على استخدام القضاء والسياسة لتصفية حسابات شخصية أو حزبية.

التاريخ الحديث في بعض دول العالم الثالث مليء بالشواهد. فقد شهدنا بعض القادة الذين حكموا بلادهم لفترات طويلة، ثم واجهوا أحكامًا صارمة بعد تراجعهم عن السلطة أو نتيجة انتفاضات شعبية، فيما يُوصف أحيانًا بالمساءلة، لكن الواقع غالبًا أعمق وأكثر تعقيدًا.

بعض الزعماء تعرضوا لمحاكمات سياسية أثارت الجدل حول نزاهتها وعدالتها، فيما واجه آخرون أحكامًا شديدة تصل إلى الإعدام، مع استغلال السلطة والإعلام لإضفاء شرعية على تلك الأحكام. هذه الحالات تظهر كيف يمكن للسلطة والقضاء أن يُستخدما أحيانًا لإقصاء الخصوم بدلًا من تحقيق العدالة.

المثير أن المشهد غالبًا ما يُقدم على أنه نزاع سياسي أو عقابي عادل، بينما هو في جوهره صراع على السلطة والمصالح الشخصية. السلطة التي في مثل هذه الحالة لا تمثل خدمة المجتمع، بل أداة لضمان النفوذ المالي والسياسي والسيطرة على مفاصل الدولة. وغالبًا ما يستخدم كل فريق النظام القضائي والإداري لتصفية خصومه، ما يخلق شعورًا لدى الجمهور أن كلهم سواء، بالمحلي “السمن من ذاك المرطبان”، ويزيد من فقدان الثقة في المؤسسات. الشعب يظل متفرجًا، يائسًا، لا حول له ولا قوة، يُحاول فهم لعبة لا قواعد واضحة لها، بينما الحقوق والعدالة تضيع في متاهة الصراعات على السلطة.

الوعي الشعبي والمساءلة الحقيقية، والعقاب والثواب، وتمكين المؤسسات الشعبية، والشفافية من قبل المؤسسات الرسمية، هي السبيل للخروج من هذه الدوامة.

فالحل- إذن- لا يكمن في الفرجة والسخرية أو اليأس؛ بل في المطالبة بنظام شفّاف، ومؤسسات مستقلة، وقضاء نزيه، ومعارضة حقيقية لا مجرد ديكور. عندما يكون الشعب واعيًا لدوره، ويعرف أن السلطة أمانة وليست مكافأة شخصية، يمكن تحويل الصراعات على النفوذ إلى صراعات حقيقية على خدمة الوطن والمواطن.

في النهاية.. إن وصف الطبقة السياسية بـ”لص يسرق لصًا، ولص يقتل لصًا” يعكس إحباطًا مشروعًا، لكنه أيضًا تحذير، في حال استسلام المجتمع لليأس أو السخرية فقط، فإنَّ الواقع لن يتغير، وستظل السلطة في أيدي من يراهنون على مصالحهم الخاصة.

الحل هو مساءلة حقيقية، ومؤسسات قوية، وشعب واعٍ يعرف أن دوره لا يقتصر على التصفيق؛ بل على المطالبة بحقوقه ومحاسبة كل من يحاول استغلالها. فالوطن ليس ملكًا لفرد، والسُلطة ليست مكافأة؛ بل أمانة على عاتق من يتولاها.

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …