بِرّيفوبيَا …

عبد الغني طليس

هو اسم عقدةٍ نفسية سياسية جديدة في لبنان هي ” بِرّيفوبيَا” مكوّنة من كلمتين : بِرّي فوبيَا . أي الخوف من رئيس المجلس النيابي نبيه بِرّي . الخوف من نواياه . الخوف من مواقفه . الخوف من دهائه . الخوف من الأرانب المتعدّدة الأشكال والأنواع والألوان التي يستخرجها من أكمامه . من ضحكته . من نظراته . والخوف من التعاون معه ، زائد الخوف من معاداته . وتتصاعد هذه الفوبيا أكثر ما تتصاعد في مراحل تشكيل الحكومات وفي أوقات اتخاذ القرارات المصيرية في البلد . إلى درجة أن بعض الشخصيات السياسية المخاصِمة تحاول أن تقلّده في أسلوبه القابل بشيء أو الرافض لشيء أو الحيادي تجاه شيء من دون جدوى .
تشكيل الحكومة اللبنانية حالياً يصطدم بهذه الفوبيا . يشيّعون أن المشكلة الأبرز والأخطر ستكون حصة الثنائي الشيعي فيها . لن يتفقوا مع الرئيس المكلّف! سيغضب منهم المجتمع الدولي! سيضعهم الحضن العربي خارج الخدمة ! وفجأة يكتشفون أن التعامل الأسهل كان مع الثنائي. ينتقلون فوراً إلى إحاطة الرئيس المكلّف بالعنعنات والاتهامات والتنمّر وإشعاره بخيبة الأمل منه. ويضغطون في الإعلام وعبر وسائل التواصل الإجتماعي الممروضة بألف وباء . كل ذلك من أجل التماهي مع الرئيس برّي والفوز بمثل ما حصّله في الحكومة . وحين يتعبون ، يدققون في ما نالَ الرئيس بري من الوزارات ؟ وعن ماذا تخلّى ؟ ولماذا قبِلَ بهذه الوزارة ؟ ولماذا ابتعدَ عن تلك الوزارة ؟ فإذا حصل على وزارة المال، مثلاً، يهاجمون مبدأ تخصيص وزارة بطائفة ، فإذا أُسقِط في أيديهم هذا المنطق ، يهاجمون شخصية الوزير كائناً مَن كان ، وأحيانا يغلّفون رفضهم تلك الشخصية بممنوعات أميركية ليست موجودة إلّا في خلفياتهم الفكرية ( ولا فكر !)، فإذا أُحبِطَ مسعاهم لجأوا إلى الخطة الثانية ( بلَان ب) فطالبوا بوزارات يسمّونها سيادية وبوزارات أُخرى خدماتية ، ويصولون ويجولون في خطاباتهم ومؤتمراتهم الصحفية محاولين الحصول على موقعيّة حصل عليها بِرّي في الحكومة للتساوي معهُ !
يا عَمّي ، ينسى هؤلاء للأسف بأن نبيه برّي هو رئيس المجلس النيابي وهذا وحده كافٍ ليلتفتَ الرئيس المكلّف إلى عدم الاصطدام به وهو المضطر في كل قرارات الحكومة للرجوع إلى المجلس النيابي ، أي إلى رئيسه الذي يمون على كثير من نواب المجلس غير الشيعة . ثمّ نبيه بري في المجلس رئيس لكتلتين نيابيتين هما ” كتلة التنمية والتحرير” الراجعة إليه ، وكتلة الوفاء للمقاومة .. الراجعة إليه أيضاً بحكم تسليمها لإدارة البلد سياسياً، عبْر مجلس النواب، إليه .
فهل وضعية أي رئيس كتلة نيابية آخَر تشبه وضعية رئيس مجلس النواب نبيه برّي؟ طبعاً لا ، لكنّ السياسة اللبنانية مطّاطةُ “المنطق” وشَطّاطةُ اللُّعاب وتسمح دائماً بهذا الجنوح الأرعن إلى ادّعاء القوة والمناعة !
بين يدَي الرئيس نبيه برّي أصوات كل النواب الشيعة . كلّهم دفعة واحدة . فهل بين يدي الدكتور سمير جعجع والنائب جبران باسيل، كلٌّ على حدَة ، أصوات كل النواب الموارنة ؟ مؤكّد لا ، فكيف يطلبون التساوي مع الرئيس بري في حصص الحكومة . حصص الموارنة والمسيحيين ستتوزّع على القوى السياسية المسيحية ، فإذا كانت مختلفة على الصغيرة والكبيرة فهل على الرئيس المكلّف نواف سلام أن يتجاهل اختلافها ويعاملها كأنها واحدة في الشكل والمضمون؟
ما يُعطى للرئيس نبيه برّي لا يمكن أن يعطى لأحد غيره ، بحكم كرسيّه الثانية في النظام اللبناني ، وحكم امتلاكه الصوت الشيعي تامّاً بلا نقصان في مجلس النواب .
المطلوب أن يتخلّى رؤساء الكتل النيابية عن التهويل على القاضي نواف سلام، والاعتراف أولاً بأحجامهم الحقيقية لا الافتراضية ، وبضرورة أن تتمثّل الكتل المسيحية الأخرى بما يتلاءم مع عدد نوابها، لا تمضية الوقت بالتصويب على حصة الثنائي الشيعي التي قيسَت على عدد النواب لا أكثر !
ومع أن الرئيس برّي لا يتدخل في حصص الطوائف الأخرى لا سلباً ولا إيجاباً ، فإن الأحزاب المسيحية يشغل بالها أنّ شيعة “المعارضة” ليسوا ممثّلين بين شيعة الحكومة . ويهاجمون سلام على هذا ” الخطأ” العظيم ويتمنون تراجعه عن ذلك . وكل ذلك طمَعاً في تحقيق نقطة على الثنائي الشيعي ، نقطة سيعتبرونها انتصاراً مدوّياً لو حصلت . غير أن حسابات الرئيس المكلّف تَعُدّ الفول الذي في المكيول لا الذي في البستان وتبني عليه .
نكرّر : المطلوب التحرّر من بِرّيفوبيا ، والوقوف أمام المرآة ساعات إضافية لتحديد الأحجام الدقيقة ، ذلك أن كثُراً على ما يبدو ينظرون إلى.. مرآة السيارة التي تُخْطِرُك ( إذا كنتَ موهوماً) بأن المسافات والأحجام فيها غير دقيقة ، ورغم ذلك يحاولون !
ولا برهانَ على ما أقول حول ” بِرّيفوبيَا” عند القوات مثلاً ، أقوى من أن قيادتهم أعلنت بعد بوادر الانتهاء من التشكيلة الحكومية “أخذنا وزارات أكثر مما أخذ الثنائي الشيعي مجتمِعاً”…
للّه درّك يا نبيه برّي !

شاهد أيضاً

نواب كذابون متحالفون مع العدو

  ✍️ علي خيرالله شريف عندما يتأجج الحقد في قلب المرء فيتقوقع في عنصريته، ويأكله …