بقلم: ناجي علي أمهز
في تاريخ 16 – 10 – 2025، انتشر مقطع فيديو للأستاذ غسان سعود في لقاء مع الأستاذ رواد ضاهر.
في هذا اللقاء، طُرح سؤال يتعلق بكلام سماحة الشيخ نعيم قاسم الذي قال فيه: “باقون ومستعدون ولن نسلم السلاح استعدنا امكانياتنا وعملنا وجهزنا وما الى ذلك”.
هنا جاء رد الأستاذ غسان سعود الذي قال:
“واعادة بناء القدرات اعتقد قصده خليني قول متل ما انا بفهمها قصده اعادة بناء قدرات بشرية مش عسكرية، اذا يلي عمله السيد حسن ب 20 سنة بالحد الادنى من 2006 حتى 2024 فيه يعمله الحزب وبلا السيد حسن وبلا السوريين بسنة بكون عم يضحك علينا”.
كلام الأستاذ غسان واقعي جداً في السياسة: لا يمكن منطقياً أن يبني الحزب في سنة واحدة ما بناه السيد نصر الله في 20 سنة. لكن المشكلة أين؟
المشكلة أن هذا التفسير يعني شيئاً واحداً: أن المقاومة اليوم ترمم “بشراً” فقط وليس “قدرات عسكرية”، مع العلم بأن المقاومة ليست “فرقة دبكة” أو “مزيكة حسب الله للفنون الشعبية” لتكون مهمتها جمع الناس فقط!
أنا شخصياً، كنت منذ البداية ضد استخدام مصطلحات “انتصرنا” و”نعيد ترميم قدراتنا”، لكن في الوقت نفسه لا يحق لي ولا لغيري القول إن قادة الحزب “يضحكون علينا”، لأن هذا الأمر يتعلق بطاقات وأمنيات وأحلام شعب بأكمله.
كنت أتمنى من الأستاذ غسان – وهو الذي يتابعه الشيعة، أن يختار مصطلحاً آخر. لماذا؟ لأن العالم اليوم بات يرانا أغبياء، والدليل هو استنتاجك بأنه لا يمكن تصديق رواية “إعادة الترميم” العسكري، مما يظهر قادة الحزب وكأنهم يطلبون من الطائفة تصديق ما لا يُعقل.
المصيبة ليست في كلام الأستاذ غسان لأنه كلام واقعي سياسياً، بل المشكلة في إعلامنا الذي استضاف الأستاذ سعود بعد هذا الكلام على شاشات المحور، وتحديداً على قناة “المنار” بتاريخ 30 – 11 – 2025 في برنامج “بين قوسين”.
تخيلوا! لم يسأله أحد توضيحاً لكلامه السابق! لم يقل له أحد: “يا أستاذ غسان، اشرح للجمهور الشيعي ماذا تقصد بأننا لا نرمم قدراتنا العسكرية؟”.
يبدو أنه لا يوجد في فريق الإعداد أو التحرير من يتابع ماذا يقول ضيوفهم في أماكن أخرى، والمهم فقط “تعبئة الهواء”.
وهنا أقول بقلب محروق:
يا جماعة “المنار”، كل حجر في مبناكم ثمنه دم وشهداء. البث الذي تبثونه عبر الاثير ثمنه ارواح ترابطت مع من يتابعكم. انتم المذيعون الذين تظهرون بملابس “سينيه” فاخرة، وسياراتكم، ورفاهيتكم، وحتى رواتبكم التي تشترون بها طعامكم وطعام اولادكم، كلها مدفوعة من دماء هؤلاء الناس.
من دون الشهداء، من كان سيدفع ليكون للشيعة فضائيات ومنابر؟
لذلك يجب على كل موظف أن يتذكر أن مؤتمن على دموع أمهات وآباء وأطفال يتامى. ولأن الثمن غالٍ جداً، يجب أن تكونوا “أحرص” وأكثر دقة ومسؤولية فيما تقدمونه للناس.
أخيراً، لا اريد ان اسال الاستاذ غسان عن رايه بمقولة “انه اذا اجت للايراني سيقول لحزب الله سلم سلاحك” فانت اعرف مني بالايرانيين وبحزب الله وقياداته. في مقابلته مع الإعلامية ندى اندراوس التي نُشرت يوم الجمعة 5 – 12 – 2025
أريد أن أوجه سؤالاً للأستاذ غسان سعود بخصوص الشهيد السيد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وهو سؤال أعرف أن أحداً لن يطرحه لأن لا أحد مهتم أصلاً.
كل هذا البكاء على السيد هو بكاء عاطفي، ولو كان الحزن على السيد نابعاً من باب العقل والمعرفة والإدراك، لسأل غيري وقبلي آلاف الأسئلة، لكن ماذا أفعل؟ كل واحد مشغول بنفسه على حساب الشهداء والتضحيات والدماء، حتى “صندوق الإعاشة” لا يوفرونه!
يا أستاذ غسان، في مقابلتك ، تقول بالدقيقة “31” أن قرار الإسناد لم يكن قراراً إيرانياً، وتضيف:
“هيدا كان شهامة وشجاعة لبناني من جبل عامل اسمه السيد حسن، هيدا حدا ما بفكر بالحسابات السياسية، وحسابات الربح والخسارة، بفكر بحسابات الصح والغلط، الايراني بفكر بالحسابات التقليدية الربح والخسارة”.
يا أستاذ غسان، اسمح لي أن أشرح لك وللناس خطورة هذا الكلام:
عندما تقول إن السيد نصر الله “لا يفكر بحسابات الربح والخسارة” وإنما تحركه “الشهامة” فقط، بينما الإيراني هو الذي يفكر ببراغماتية ومصلحة، فهذا توصيف خطير جداً.
هل يعقل أن السيد لم يحسب حساب الربح والخسارة؟ هل القصة كانت مجرد “شجاعة” وشهامة تسببت بدمار مناطق الشيعة وتهجيرهم ووضعهم أمام خطر وجودي؟
حضرتك سياسي وتعرف، لو أخبرتك أن “نابليون” كان شجاعاً وشهماً وبسبب شهامته دمر فرنسا، ستقول لي فوراً: “هذا ليس قائداً، هذا متهور”. لأن الشجاعة بلا حسابات هي تهلكة.
بكلامك هذا، قد يفهم الناس أن السيد نصر الله (حاشاه) تصرف كأي إنسان عادي دبت فيه الحماسة حتى التهور، فرمى نفسه وأهله في النار، ووضع تاريخ ومستقبل طائفة في جحيم الخطر! وهذا غير مقبول في حق قائد بحجم السيد.
رجاء أخير..
من باب الشفقة علينا، الشيعة في لبنان عبر تاريخهم الطويل منذ أكثر من ألف سنة، لم يحققوا إنجازاً يُذكر إلا بوجود شخصيتين استثنائيتين: السيد موسى الصدر الذي غيبوه، والسيد حسن نصر الله الذي استشهد.
نرجوكم.. “ممكن تتركولنا بس هالشخصين”؟ أو أقله اتركوا لنا صورة السيد حسن ناصعة ومحسوبة بدقة، لنقول للأجيال القادمة إن هذه الطائفة أنجزت شيئاً خلال ألف سنة، ولا تحولوا استشهاده إلى نقاش حول “سوء تقدير” أو “زيادة شهامة”.
ختاماً..
بالنسبة لي، هذا آخر مقال أكتبه أو أنشره، ولن أتدخل بعد اليوم في أي شأن يتعلق بالطائفة الشيعية.
لقد أديت قسطي للعلى، ناصحاً ومحذراً، ومستخدماً كل علاقاتي لخدمة الشيعة وبقائهم.
إن بقي الشيعة بخير – وأرجو أن يبقوا بخير إلى أبد الآبدين – بعد توقفي عن الدفاع عنهم، سأكون حينها كنتُ متوهماً ومجنوناً لأنني اعتقدت نفسي قيمة إضافية للطائفة.
أما إن تدهورت الأوضاع أكثر – لا سمح الله – داخلياً ودولياً، فربما حينها قد يتذكرني أحدهم، أو أقله يحترم فكري في المستقبل، ليبقى شاهداً أن هناك إنساناً قام بواجبه تجاه طائفته ووطنه.
والسلام.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
