نبض المقاومة

ريما فارس

في الجنوب، حيث تنبض الأرض بروح المقاومة، وحيث تلتقي كرامة الإنسان بعنفوان الطبيعة، يولد المعنى الحقيقي للوطن. ليست الأرض هنا مجرد جغرافيا، بل هي جزء حيّ من كيان أبنائها، قطعة من أرواحهم، وأمانة ورثوها عن أجيال عاشت وضحت كي تبقى هذه الأرض حرّة، شاهدة على عزتهم وثباتهم. الأرض عندنا ليست مجرد تراب وصخور، بل هي دمٌ امتزج بالكرامة، وحكاية صمود تُروى في كل وادٍ وجبل، تُنطقها قلوبنا قبل ألسنتنا، وكأنها وصية الشهداء لا تُنسى، وأمانة الأجداد التي نحميها بكل ما أوتينا من عزم وإيمان.

 

هؤلاء ليسوا كالتجار الذين يرون في الأرض مصدر ربح وخسارة، ولا كأصحاب النفوذ الذين يتعاملون معها كسلعة. بالنسبة للجنوبيين، الأرض هي امتداد لكرامتهم وشرفهم، هي ذاكرتهم وهويتهم، وهي الحلم الذي يدافعون عنه بأغلى ما يملكون. كيف لا، وهي التي ارتوت بدماء شهدائهم الذين جعلوا من كل شبر فيها شاهداً على التضحية والصمود؟

حينما ترى الجنوبيين يتحركون لنصب خيام فوق أنقاض بيوتهم المدمرة، لا تراهم منكسرين أو مهزومين. بل ترى شعلة الإيمان تضيء وجوههم، ترى أمة ترفع راية الحق وتعلن أن لا ظلم يدوم، ولا احتلال يبقى. جبل عامل، برائحة ترابه المقدس، يشهد كيف أن لهذه الأرض رجالاً أقوياء لا ينامون على ضيم، ولا يرضون بغير الكرامة سبيلاً.

ما السرّ في هذه الروح الحسينية التي تسكن أهل الجنوب؟ ربما هو الإيمان الذي يجعل من القضية أكبر من مجرد معركة عسكرية أو سياسية. هو شعور بأنهم أمناء على إرث طويل من العزة والكرامة، وأن كل حجر وكل شجرة زيتون في أرضهم هي أمانة يجب أن تصان.

في الامس، حينما خرجوا في هبّتهم الشعبية، كان علم لبنان وعلم المقاومة يرفرف عالياً فوق أيديهم، وكانت وجوههم تمتلئ بالعزم والإصرار. هؤلاء ليسوا مجرّد أهل مقاومة؛ إنهم رمز للأمة التي تعرف معنى الحق وتدافع عنه مهما كانت التضحيات.

تحية إلى هؤلاء الشرفاء الذين صنعوا من أرضهم درساً في الإباء، ومن حياتهم مدرسة في حب الوطن. لهم نقول: أنتم أهل الكرامة، وأنتم من يعيد للأمة عزّها وهويتها، وأنتم النور الذي لا يخبو مهما حاول الظالمون إطفاءه.

ريما فارس

شاهد أيضاً

نواب كذابون متحالفون مع العدو

  ✍️ علي خيرالله شريف عندما يتأجج الحقد في قلب المرء فيتقوقع في عنصريته، ويأكله …