يا آدمي..

بقلم ريم الشعار


عاجزةٌ أنا عن التكيف طرداََ مع غيابك، في اللحظات التي تعبر بخاطري.. استدعي ذاكرة الطفلة في اختراع الحلول لتكون هنا الآن، قربي.. بمرمى يداي..

أضيف شامات على وجهك، ألونها كما يروق لخاطري، أتلاعب بملامحك، بأصابعي أفرد مساحات جديدة للثمك ودفن وجهي بين المسامات، أحسن الإضاءة حيث أرغب كلما بهتت ذاكرتي.. ألقمها شيئا فشيئاََ استدعاءك..
أصطفي من صوتك أحرف أحب نطقك لها.. أصهرها في فرن روحي وأركب منها عبارات وتنهيدات ولهٍ
“أحتاجها عند احتياج”

ماذا لو كان لي قدرات خارقة. أحولك إلى كائن لامرئي، لا يراك سواي، أتلمس ما رسم الفراغ منك من ظل، ربما لأنني أحفظ كتلة جسدك وحجم الفراغ الذي تشغله. وحركات يديك، تردد صوتك، أنفاسك الحرة، والضوء المتصاعد من عينيك مع تلك الخفقات.
نظراتك العاشقة العالقة على رقبتي وكتفي، ألملمها بحذر، أخبئها بصندوقي الخشبي، لأخرجها كلما اشتقت لك، أجدها شهية طازجة تماماََ كما قطفتها.

وعندما تتناثر غباراََ في الصباح، أجدك خلف مرآتي تختبئ. أستطيع أن أراك وحدي أراك، وأحدثك

حيث لا أحدث أحد، نفرح معا نثرثر بكلام بلا معنى.. نضحك لنكات تافهة نخترعها بلا مبالاة.. أسند رأسي على صدرك وألعنك، ألعن المسافة التي تحتاجها عيناي لتقفي أثرك في جغرافيا الوقت، ألونك حتى لا تضيع وتتناثر مجدداََ، لأضيع وأتناثر أنا فيك.

يا صغيرتي كفي عن تلوين جسدي كالأطفال، كل ضياع.. كنتَ تُردد..

وأنا بفوضى أخرج من رأسي كل ما أحلم وأفكر، أخبرك عن لون أحلامي وصغائر التفاصيل التي شغلت حيزاََ كبيراََ من طفولتي.. أخبرك عن أكوام الطين التي كنت أجبلها في الخرابة القريبة وعن التماثيل التي ليس لها ملامح، عن الأجنحة التي صنعتها لها لتطير ولم تفعل. وكيف كنت أخترع لها أسماء وأحاورها..

هل تصدق أنها ذات وجع صارت تئن، وأنها حاولت أن تساعدني بتحويل مادتي إلى طين مرات ومرات..…..

كبرت يا ذا الرجل الذي أعشق، وتحولت تلك اللعبة إلى هواية ترتاح روحي وتتمدد أفقياََ معها.. يداي التي هامت باحساس الطين، فصارت ذاكرة العابرين خبئت بين خطوطها حكاياهم.

انظر هنا قلبي الممسوس بالجنون، وهنا أحلامي التي تبددت.. ألواني الشغوفة بين البارد والحار، ريشي المنتظرة مساحة البياض، انظر انظر هنا كل أولادي الذين رفضوا أن أكون أمهم .. وهنا ضحكاتهم معلقة على الجدران ونغمات طفولتهم وحصان خشبي مزركش يتأهب للقفز بين أحلامهم .. وهنا مرساة صغيرة، إضغطها.. خبئت فيها كل أغاني الطفولة وتهويدات المساء.. اسمع هذه.. “نامي نامي ياصغيرة”..

وهنا ذاكرة موت رافقني تسع وعشرون نهاراََ وتسع وعشرون ليلاََ.. حولني إلى نعش يبكي تسع وعشرون عاماََ..
كنت أحاول حينها أن أسرق النوم من عينك لتبقى تسامر وحدتي .. لأني أخاف صحبة الموت والموتى..
هل جرب أحدكم أن يكون نعشاََ مثقلاََ بموت صغير ومسامير كثيرة؟!

اليوم أنا قادرة أن أتخيلك كل ما أردت بكامل أبعادك .. حتى كم تحتاج رئتاك من أوكسجين غرفتي كلما نفخت الحياة فيك..
لكن لم يكن قصدي أبداََ.. أن أعرضك للشمس وتتيبس.. فتصبح صلباََ كالصخر أو أشد ..
صخر لم يرتعش عند اشتداد الغيم، طبق على طبق.
ولم تروعه سيول أمطاري ..

حبيبي القانع برداءة مادته
هب لي ابتسامة يقينك لأمنحك نسغ الحياة الباقي في عروقي..
ترى ما سره يقينك؟!

شاهد أيضاً

“استراتيجية الإنهاك وهندسة الخروج: سقوط بوابات الهيمنة في الشرق الأوسط”

🖋️ رضوان حسين وعيل. إن الصراع الراهن يتجاوز في أبعاده المواجهات الميدانية التقليدية؛ إنه عملية …