الهدر والتضحية: دروس من السويد وصولا للبنان…


بقلم: راوية المصري

في عالمنا المعاصر، تبرز ظواهر متناقضة تثير التساؤل حول قيمنا ومبادئنا الإنسانية. فمن ناحية، نشهد هدرًا للموارد في مجتمعات الوفرة، ومن ناحية أخرى، نرى تضحيات مؤلمة في مناطق الصراع. هذه المفارقات تدعونا للتأمل في الخيارات التي نتخذها كمجتمعات وكأفراد.

في السويد، نموذج الرفاهية الاجتماعية، نجد مثالًا صارخًا على التناقض بين الوفرة والهدر. فالمدارس والجامعات تقدم وجبات مجانية للطلاب، بل وحتى للموظفين في بعض الأماكن. هذه السياسة، التي تهدف إلى ضمان التغذية السليمة وتكافؤ الفرص، تحمل في طياتها مشكلة أخلاقية عميقة. فما يتبقى من هذا الطعام يُلقى في سلات القمامة، ويُمنع منعًا باتًا إعطاؤه للمحتاجين أو حتى أخذه إلى المنازل.

هذا النهج يثير تساؤلات جوهرية حول مفهومنا للعدالة الاجتماعية والاستدامة. فكيف يمكن تبرير إهدار الطعام في عالم يعاني فيه الملايين من الجوع؟ وما هي الرسالة التي نوصلها لأجيال المستقبل عندما نعلمهم أن رمي الطعام أفضل من مشاركته مع المحتاجين؟

على الجانب الآخر من العالم، في لبنان، نشهد صورة مختلفة تمامًا ولكنها لا تقل إثارة للقلق. فحزب الله، على ما يبدو في مواجهته مع إسرائيل، يفضل تعريض مخازن أسلحته للقصف الإسرائيلي على تسليمها للجيش اللبناني. هذا الخيار، رغم ما قد يبدو فيه من “تضحية”، يكشف عن تعقيدات الصراع وتشابك المصالح في المنطقة.

ومن المثير للتأمل أن نتخيل حالة قد تكون شائعة في المجتمع اللبناني، حيث يمكن أن يكون هناك أخوان، أحدهما في صفوف الجيش اللبناني والآخر في حزب الله.

هذا الوضع يجسد التعقيد الاجتماعي والسياسي في لبنان، ويطرح تساؤلات عميقة حول مفهوم الولاء والانتماء. فالأسلحة، في نهاية المطاف، يجب أن تكون لحماية الشعب اللبناني بأكمله، وليس لخدمة مصالح فئة معينة.

ومن هذا المنطلق، فإن وجود هذه الأسلحة في حوزة الجيش اللبناني يعد خيارًا أكثر حكمة وعدلًا من تعريضها للقصف الإسرائيلي وخسارتها إلى الأبد.

فالجيش اللبناني، بوصفه المؤسسة الوطنية الجامعة، هو الأقدر على استخدام هذه الموارد لحماية الشعب اللبناني وصون الأرض اللبنانية، بعيدًا عن الانقسامات السياسية والطائفية.

عند مقارنة هاتين الحالتين، نجد أنفسنا أمام مفارقة صارخة. ففي السويد، نرى مجتمعًا يتمتع بالوفرة ولكنه يهدر موارده بطريقة تتناقض مع قيم التضامن والاستدامة.

وفي لبنان، نشهد البعض يضحون بموارد ثمينة في سبيل الحفاظ على نفوذها وقوتها ، في حين أن هذه الموارد يمكن أن تكون أكثر فائدة للوطن ككل إذا وُضعت تحت سلطة الدولة الشرعية.

هذه المقارنة تدفعنا للتساؤل: هل يمكن أن نتعلم من هاتين الحالتين لبناء مجتمعات أكثر عدلًا واستدامة؟

هل يمكننا أن نجد توازنًا بين الوفرة والمشاركة، بين الأمن والسلام؟

إن الدرس الأساسي الذي يمكن استخلاصه هو ضرورة إعادة النظر في قيمنا وأولوياتنا كمجتمعات إنسانية.

فالهدر، سواء كان للطعام أو للموارد البشرية والمادية في الحروب، هو خسارة للجميع. وفي المقابل، فإن الاستثمار في التعليم والصحة والتنمية المستدامة، وتعزيز المؤسسات الوطنية الجامعة، هو الطريق نحو مستقبل أفضل للجميع.

في النهاية، علينا أن ندرك أن الخيارات التي نتخذها اليوم ستشكل عالم الغد. فسواء كنا في السويد أو لبنان أو أي مكان آخر في العالم، فإن مسؤوليتنا تجاه بعضنا البعض وتجاه أوطاننا تبقى واحدة.

ولعل الخطوة الأولى نحو التغيير هي الاعتراف بأن الهدر والتضحية غير المبررة هما وجهان لعملة واحدة: عدم تقدير قيمة الحياة والموارد التي وهبنا إياها الله.

فلنعمل معًا من أجل عالم يقدر فيه كل لقمة طعام، وكل حياة إنسانية، وكل فرصة للسلام والتنمية.

٨فبهذا وحده يمكننا أن نبني مستقبلًا يليق بإنسانيتنا ويحقق تطلعاتنا نحو العدالة والكرامة للجميع، ونضمن أن تكون مواردنا وقدراتنا في خدمة شعوبنا وأوطاننا بالشكل الأمثل….

شاهد أيضاً

حقائق شرق أوسطية

خميس القطيطي هناك حقائق ومشهد جديد يتشكل في الشرق الأوسط، وسوف يشار إلى أن عام …