ولا زالت الفكرة تقضُّ مضاجعهم

بقلم: أمين السكافي
ليس العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان وغزة مجرّد فعلٍ عسكريٍّ أعمى، ولا هو ردٌّ تقنيٌّ على سلاحٍ هنا أو صاروخٍ هناك، كما يحلو لهم أن يروّجوا في بياناتهم الباردة. المسألة أعمق، وأخطر، وأكثر إقلاقًا لهم: إنّها الفكرة. تلك الفكرة التي تسلّلت إلى الوجدان، واستقرّت في الضمير، وتحوّلت من همسٍ خافت إلى يقينٍ صلب، ومن حلمٍ فردي إلى وعيٍ جمعي لا يُقصف.

لقد كان السلاح حاضرًا قبل عام 1982، وبكثافةٍ تفوق الوصف. كانت المستودعات ممتلئة، والخطابات مشتعلة، والشعارات تملأ الساحات، لكنّ شيئًا ما كان مفقودًا. لم يكن ينقص البندقية رصاصها، بل كان ينقصها معناها. كانت اليد موجودة، لكنّ القلب لم يكن في مكانه الصحيح. وحين حضرت الفكرة، تغيّر كل شيء.

الفكرة التي تقضّ مضاجعهم ليست الحديد ولا النار، بل العقيدة؛ تلك التي تجعل الإنسان يرى في المقاومة فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون فعلًا قتاليًا، ويرى في الدفاع عن الأرض دفاعًا عن الكرامة، وفي الصمود عبادةً لا تقلّ قداسة عن الصلاة. هنا تحديدًا، يصبح السلاح نتيجةً لا سببًا، وأداةً لا غاية.

حين قال الإمام المغيّب موسى الصدر مقولته الخالدة: «إن شرف القدس يأبى أن يتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء»، لم يكن يطلق حكمةً عابرة، ولا يزيّن خطابًا سياسيًا. كان يضع حجر الأساس لعقيدة مقاومة كاملة، ويخاطب ياسر عرفات، لا ليُحرجه، بل ليُذكّره أنّ القدس لا تُحرَّر بالضجيج، ولا بالمزايدات، بل بالإيمان والنزاهة والقيادة الشريفة. تلك الكلمات كانت بذرة، والبذور الصادقة لا تموت.

زرعت الفكرة في عقول المستضعفين، وسُقيت بدماء الشهداء، وتعهّدها الصابرون في ليالي الحصار الطويلة. كبرت بعيدًا عن الأضواء، تمدّ جذورها في عمق الأرض، لا في سطح الشعارات. وحين اشتدّ عودها، أثمرت انتصارات، لا لأنّ العدو أصبح أضعف، بل لأنّ الإنسان المقاوم أصبح أوضح رؤيةً، أصلب قناعة، وأشدّ التصاقًا بحقه.

الكيان يدرك هذه الحقيقة أكثر مما نعترف نحن. يعرف أنّ القصف لا يقتل الأفكار، لكنّه مع ذلك يقصف. يعرف أنّ المجازر لا تمحو الذاكرة، لكنّه يمعن فيها. لأنّه يظن، أو يتوهّم، أنّ الترويع المستمر قد يقتلع الفكرة من جذورها، وأنّ الألم المتراكم قد يحوّل الإيمان إلى تعب، والعقيدة إلى شك. غير أنّه ينسى، أو يتناسى، أنّ الأفكار التي تولد من المعاناة لا تموت بها.

غزة ليست جغرافيا محاصرة فحسب، ولبنان ليس ساحة مواجهة فقط. كلاهما تحوّلا إلى نصٍّ مفتوح يُقرأ بالدم، وإلى أسطورةٍ حديثة عنوانها أنّ الفكرة حين تتجسّد في شعب، تصبح أقوى من الطائرات، وأبقى من الدبابات. كل عدوانٍ جديد ليس إلا شهادةً إضافية على فشلهم في مواجهة ما لا يُرى ولا يُقاس.

ولا زالت الفكرة تقضّ مضاجعهم، لأنّها عصيّة على الاغتيال، عنيدة في البقاء، تنتقل من صدرٍ إلى صدر، ومن جيلٍ إلى جيل، بلا إذنٍ من أحد. هي الفكرة التي تعلّمت كيف تحيا تحت الركام، وكيف تبتسم في وجه الحصار، وكيف تقول، بهدوء الواثق: يمكنكم أن تدمّروا الحجر، أمّا المعنى… فلا

شاهد أيضاً

مَن لا يمثل مَن؟يا جوزيف عون

بقلم الكاتب نضال عيسى خرج رئيس الجمهورية جوزيف عون ليقولها بلا حياء، (نعيم قاسم لا …