
*بقلم البروفيسور شوقي أبو لطيف
2025/1/10
هل يمكن أن يُخطر الفن بنبوءة؟
قد يكون في هذا السؤال الإشكالي نافذة الى كشف آفاق محجوبة عن مرامي الفكر البعيدة على الرغم من ان مثل هذا السؤال قد يُقابَل بدهشة الاستغراب ممن لا يصغون الا لما يصدر عن وحي اتصالي بأزلية غيب حميم.
من يعرف الفنان شوقي دلال عن كثب يدرك ان موهبته المميزة تقترن بتجربة خاصة، مفادها الركون الى ذاكرة وجدانية تزداد توقدا كلما وقعت عينا الفنان الملتصق بتراث راشيا المعماري، على شيء منسي منه، فتجده يناضل بشكل يومي من أجل الحفاظ على ما تبقّى من معالم البلدة التراثية وبيوتاتها وأحيائها. وإذ تذهب به تلك الذاكرة الوجدانية الى أثاث البيوتات المهجورة ومحتويات المحال المتنوعة الأنشطة والاعمال على جانبي السوق الاثري، فإنك لترى في اللوحات الشقدلالية الكثير من تلك التفاصيل المشوقة لماض جميل.
في لوحة الكرسي، وهو عمل تشكيلي ملفت للفنان شوقي دلال، تستبين لنا إلماعة أنسية، من حيث النبوءة الفنية التي تحملها الريشة الشقدلالية بين جناحين لطائر غريب، هما الجناح الطقسي والجناح النفسولوجي، على ان رأس الطائر المحلق في سماوات البدع يبقى مغردا بما في رأس الفنان من وحدة شهود تستجلي من الوحي المطلق في المطلق ما تستجليه من رؤى عابرة للزمن، فيحسبها البعض تهويمات من ذكريات المكان المتحيز، طللا اثر طلل، في مقصف متروك او بيت هجره اهله بلا عودة وبلا امل في الاياب، فيرتاب بعض عارفي شوقي دلال من مشهدية الكرسي المخلّعة الممزقة، ويأخذ آخرون في تأويل هذا التوجس الوجودي الذي يحيل الى التفاؤش من الركون الى متن قرار في هذا العالم. على ان الكرسي الشقدلالي لا يحيل الى سوداوية رؤية او اكتئاب لأن نبضه يتناغم وفرح الحياة ويرفض الخضوع لتبدل المواسم في المراسم الوجودية.
الإلماعة الانسية في لوحة الفنان شوقي دلال تستجمع دلالتين طقوسيتين، بين آية الكرسي التي تحصن قراءتها في افياء البيوت المأهولة بالايمان من شر ابليس وأعوانه، وكرسي الاعتراف التي تستوجب التوبة والولوج الى عالم البرء الذي تنزاح فيه الخطيئة بالمغفرة.
لا شك أن هذه الالماعة تستدعي مثل تلك الطقوسية التي يحفل بها كل توق انساني الى الخلاص من دواهم عالم الزيف المزدحم بالرغبات وادواتها من تسلط وقهر وعنف وجشع. لكنما الفن الشقدلالي يحلق في أفق غريب بعض الشيء اذ انه يتنبأ بحطام الكرسي في ما سيأتي، ذلك ان تيار الوعي قد بدأ يغزو شواطىء الروح الشرقية، حاملا معه على سفينة اللاوعي الهائمة في دنيا النفسولوجيا الفرويدية انه على هذه الكرسي سيتم تفريج كل النوازع المكبوتة وإخراج العصاب الفردي والجماعي الى حيز تحليل الخوف الوجودي، الذي ما يزال يؤرق غفواتنا في كوابيس القيود المذلة والكهوف المعتمة والرموس التي تعج بالرؤوس.
* البروفيسور شوقي ابو لطيف مفكر واديب وشاعر واستاذ الفلسفة في الحامعة اللبنانية
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net