ورد كاسوحة
الأسبوعان الأخيران حملا معهما تأكيدات إضافية على عمق المأزق الذي تواجهه آلة الحرب الصهيونية في مسعاها إلى تحقيق أهدافها من توسيع حرب الإبادة لتشمل العمق اللبناني كلّه وصولاً إلى سوريا. لا يقتصِر الأمر على التدخّل البرّي الذي بات فعلياً على عتبة التعثُّر الكامل في تحقيق أحد أهمّ الأهداف الموضوعة للحرب، لجهة تفكيك بنية حزب الله العسكرية واللوجستيّة المتاخِمة للحدود مع المستعمرات والمستوطنات الصهيونية. ثمّة كذلك انحسارٌ واضح للفاعليّة الجويّة، التي مثّلت المدخل لتفعيل الخطط الموضوعة للتدخّل البرّي، على قاعدة استكمال «بنك الأهداف» المتحقِّق من الجوّ، بمعادِلٍ على الأرض، يسمح بتحصين ما اعتُبر في الأيام الأولى بمنزلة «إنجازاتٍ كبيرة للعدوّ»، مع اغتيال القادة السياسيين والعسكريين للمقاومة.
الفشل في تفادي الإخفاق برّاً
والحال أنّ الصعوبة المتزايِدة في جبي أثمان أكثر من المقاومة اللبنانية لا ترتبط فحسب بتقديرٍ زائد، صهيونياً، لأهداف المرحلة الأولى، بل أيضاً بعجز كبير عن فهم آلية عمل الخصم، غداة تلقّيه الضربات وانتقالِه، على ضوء مراجعة إستراتيجيّة المواجهة، إلى مرحلة التعافي. وهي مرحلة وصلت إلى ذروتها مع تكثيف الاستهداف بالمسيّرات والصواريخ، المقترِن بتفعيل تكتيكات مواجهة التدخّل البرّي، على الخطوط الأماميّة للجبهة. وهذا التحسُّن الكبير في أداء المقاومة، على حساب الصهاينة، ينسحب أيضاً بأثَر رجعي على الخطط الموضوعة إسرائيلياً للاجتثاث من الجوّ. إذ كان التقدير، في بداية مرحلة التدخُّل الجوّي، بأنّ تفعيل القوّة التدميريّة الهائلة للذخائر الجويّة في مواجهة البيئة الحاضنة، سيُثني المقاومة عن استكمال خططها العسكرية على الشريط الحدودي، بفعل الأثَر التدميري الهائل للقصف على بيئَتها، مقارنةً بنظيرِه الذي استهدف الحاضنة نفسها في حرب عام 2006. عدم حصول ذلك ليس مؤشّراً على عدم الارتداع فحسب، بل أيضاً على استمرار الفاعلية العسكرية، حتى في أماكن أبعَد من الجبهة نفسِها. وهذا يعني أنّ استمرار العدوّ في إستراتيجيّة التدمير والاجتثاث، على نطاقٍ أوسَعَ من ذي قبل، لتشمل مُدُناً لم يطَلها الدمار بهذا المقدار في عام 2006، هو أبعَد ما يكون عن إستراتيجيّة للقتال، حتى في مواجهة خصم يُراد اجتثاثه. غياب الإستراتيجيّة هنا هو الأدقّ، إلا إذا اعتبرنا التعويض عن فشل سلاح الجوّ في مهمّته الخاصّة بتقليل الاعتماد على العملية البرّية، لمصلحة تفعيل القوّة النارية العمياء في مواجهة البيئات المدنية والحواضر التاريخية، بمنزلة تكتيك قتالي فعلاً! والحال أنّ كلّ هذا القتل والتدمير والاجتثاث لم يفضِ إلى شيء، لا بل فشِل تماماً في مهمّة الربط بين المعركتين الجويّة والبرّية، إذ يتأمّن للقتال برّاً رصيدٌ كافٍ من حصيلة المعركة في الجوّ. والفشل هنا كان واضحاً إلى حدٍّ بدا معه أنّ هذا الانقطاع هو الذي جَعَل ثِقلَ المعركة ينتقل إلى البرّ. أي إلى المكان الذي تملك فيه المقاومة أفضليّة واضحة، حيث القدرة التي تحوزها على المجابَهة والإشغال الناري، وصولاً إلى نقل المعركة، بالمسيّرات والصواريخ، إلى المستوطنات والمستعمرات في العمق الصهيوني، أكبر بكثير من قدرة العدوّ حتى على مجرّد الاختراق لخطّ القرى الأمامية.
الهروب إلى الأمام بتوسيع نطاق الاستهداف
العجز هنا في تفادي التوغّل برّاً في مواجهة المقاومة انعكس سلباً بدوره على حصيلة المعركة الجويّة. فحتى الأهداف التي يعتبر العدوّ أنّه حقّقها في الأيام الأولى للعدوان، مع النجاح في اغتيال القادة السياسيين والعسكريين، أصبحت من دون رصيد فعلي، على ضوء المستجدّات الخاصّة بالقتال برّاً. اللجوء في هذه الحالة إلى توسيع نطاق المعركة لتشمل، ليس فقط المعابر الحدودية مع سوريا بل أيضاً القرى التي جرى استهدافها خلف الحدود بذريعة نشاط حزب الله فيها، هو بمنزلة تمويه للفشل الحاصل في مواجهته داخل لبنان، إذ يتمّ توسيع نطاق الأهداف، خارج الحدود اللبنانية شرقاً، بدعوى الانتهاء من «بنك الأهداف» في الداخل. الادعاء هنا بالقدرة على مواجهة حزب الله داخل سوريا، وفي منطقة تبعُد عن الحدود مع الكيان مئات الكيلومترات، يخفي في طيّاته عجزاً مطلقاً، ليس فقط عن الاعتراف بصعوبة مواجهته داخل لبنان، بل أيضاً عن استحالة منعه من تكبيد قوّات النخبة الصهيونية خسائرَ كبيرة في منطقة لا تبعد عن الحدود مع فلسطين المحتلّة سوى أمتار قليلة! هذا في الحقيقة ليس تعبيراً عن مفارقة مفهومية في مقاربة الخطاب الصهيوني، حتى العسكري منه، لمعنى الهزيمة أو النصر في المعارك العسكرية غير المتناظِرة مع الخصوم، بقدر ما هو إنكارٌ لطبيعة الحرب نفسِها، لجهة كونها تعبيراً عن موازين القوى التي تؤول إليها المعركة في مراحلها المتأخّرة والحاسمة. أي حين تحدث فيها انعطافة كتلك الحاصلة حالياً على الجبهة اللبنانية، على ضوء تعافي المقاومة واستعادتها زمام المبادرة.
خاتمة
في هذا النوع من القتال الذي لا يعادِل فيه وحشيّةَ سلاح الجوّ وقدرَته على التدمير والاجتثاث إلا الطبيعة غير المتناظرة للقتال البرّي المتقدِّم، تميل موازين القوى بدورِها إلى عدم التناظُر. فتصبح، حتى وهي تختلّ لمصلحة القوّة الأكثر تسليحاً وتذخيراً، أقرَبَ في مراحل متقدّمة من القتال وعند منعطفات فارِقة للقوّة الأقلَّ تسليحاً والأكثر قدرةً على إدامة الاشتباك. المدة الزمنيّة التي يستغرِقها هذا الانتقال، من القتال غير المتكافئ جواً، والذي يكون مقدار الاجتثاث والتقتيل فيه معادِلاً لغياب الخصم وهشاشة التهديف، إلى نظيرِه الذي يحصل فيه تناظُر مطلَق في القوّة القتالية للطرفين، هي التي تصبح، مع الوقت، المحدّدَ، ليس لطبيعة المعركة فحسب، بل أيضاً لنتيجتها. ويمكن القول بكثيرٍ من اليقين إنّ النتيجة في هذه الحالة، مع مَيْل موازين القوى برّاً، باضطراد، نحو القوّة غير الدولتية، لن تحدّد المنتصر من المهزوم فحسب، بل ستضع كذلك، وبأثَرٍ رجعيّ، كلّ التدمير والاجتثاث الحاصلين من الجوّ، في خانة الرصيد الصفري للصهاينة. فعدم التناسُب هنا يتجاوز القوّة العسكرية إلى الأهداف نفسِها، والتي كلّما تعدّت الطابع العسكري الصرف إلى نظيره المدني، ازداد رصيدها السالب لديهم، كونها تحصل في مواجهة خصمٍ لا يجيد إلا القتال العسكري وتفادي المساس بالمدنيين، حتى حين تصبح بيئته المباشِرة عُرضةً لـ«الإبادة الكاملة».
* كاتب سوري
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
