#عفاف_فيصل_صالح
في العاشر من محرم، لم يكن التاريخ مجرد صفحة تُطوى، بل كان الكون كله يقف على حافة الزلزال…
كانت الأرض ترتجف كأنها تدرك أنها ستشهد ولادة معنى لا يموت، ومعركة لا تنتهي، وصرخة ستبقى تهزّ ضمير الإنسانية إلى قيام الساعة.
هناك في كرب وبلاء
لم تكن الشمس مجرد ضوءٍ في السماء، بل كانت عينًا دامعةً تنظر إلى الأرض وهي تُذبح على مرأى العالم.
وكان الحسين بن علي، سبط رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وسلم يقف كجبلٍ من نورٍ وسط صحراءٍ من الظلام، ومعه اثنان وسبعون قلبًا…
لكنهم لم يكونوا قلةً كما تُقاس الجيوش، بل كانوا أمةً كاملةً في صورة رجال، كانوا إيمانًا يمشي، ويقينًا يتنفس، وصدقًا لا يساوم.
وفي المقابل
كان هناك جيشٌ لا يُعدّ، وعدّةٌ لا تُحصى،و قلوبًا ميتة كالحجارة، وأرواحًا غارقة في ظلام الطمع والطغيان.
وهنا بدأت كرب وبلاء…
لا كمعركة، بل كـ اختبارٍ إلهيٍّ للإنسانية كلها.
صراع لا ينتهي بين نورٍ وظلام
لم تكن كربلاء حربًا بين رجلين أو جيشين
بل كانت صراعًا بين
حق يقول كونوا أحرارًا ولو ذبحتم
وباطلٍ يقول اركعوا ولو سُلبت كرامتكم
كانت مواجهة بين عقلين لا يلتقيان
عقلٍ يرى أن الحياة بلا كرامة موتٌ بطيء
وعقلٍ يرى أن الموت وسيلة لحفظ السلطة
ومن هنا، تحوّلت كربلاء إلى ميزانٍ أبديّ يُوزن به الحق عبر العصور.
خيار الحسين حين ضاق العالم واتسع اليقين
كان أمام الحسين عليه السلام طريقان، وكلاهما مرّ:
إما أن يمدّ يده لبيعةٍ تُطفئ روح الرسالة…
أو أن يقف وحده أمام طوفان المواجهة ضد الباطل ويقول للعالم: لا.
لكن الحسين لم يكن يرى الدنيا بعين الخوف بل كان يراها بعين الحقيقة.
لم يكن يقرأ المستقبل كخسارة، بل كخلود.
وقال كلمته التي لا تزال تزلزل القلوب
إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا وإنماخرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.
كأن هذه الكلمات ليست صوت بشر
بل صوت السماء وهي تُعلن موقفها في الأرض.
ميزان آخر غير ميزان الدنيا
في الحسابات المادية، كانت النتيجة محسومة
72 أمام 30 ألفًا…
العطش أمام الماء…
الدم أمام الحديد…
لكن كربلاء جاءت لتكسر هذا الميزان الزائف، وتقول:
إن للكون ميزانًا آخر…
ميزانًا لا يعرف الأرقام، بل يعرف القيم.
ليس النصر من يملك الأرض…
بل من يملك الحقيقة.
ليس المنتصر من يبقى حيًا…
بل من تبقى قضيته حيّة من بعده
مشاهد تُكتب بدم القلب لا بالحبر
وفي قلب هذه الملحمة، ظهرت صور لا تمحى:
العباس بن علي قمر بني هاشم
الوفاء حين يتحول إلى إنسان، والبطولة حين تفقد حدودها حمل الماء ولم يعد.
كأن الماء عنده لم يكن ماءً، بل عهدًا إلهيًا لا يُخان.
قطعوا يديه… فصار أعظم.
لأن اليد قد تُقطع، لكن الوفاء لا يُقطع.
علي الأكبر
صورة النبي تمشي على الأرض، كأن الزمن أعاد محمدًا للحظةٍ ليُري العالم كيف يُذبح الحق حين يُكذّب الناس أهله.
إرتقى وأرتقت معه صورة المستقبل الذي أراد الله أن يكون.
زين العابدين
الجسد المريض الذي حمل روح أمةٍ كاملة بعد أن تكسرت السيوف.
لم يقاتل بالسيف…
بل قاتل بالكلمة، بالدمعة، بالخطبة، بالوعي
ليحوّل الهزيمة الظاهرة إلى انتصارٍ خفيٍّ لا يراه إلا أصحاب البصيرة.
كربلاء ليست حدثًا بل قانونًا كونيًا
كربلاء ليست قصة انتهت…
بل قانون يتكرر كل يوم.
يزيد ليس شخصًا… بل شيطان بذاته
والحسين ليس فردًا… بل ملاك موقف بذاته.
في كل عصر:
هناك من يملك القوة ويظن أنه يملك العالم
وهناك من يملك الحق بقوة الايمان والبصيرة
وفي كل عصر…
يُطلب من الإنسان أن يختار
هل يكون مع كثرةٍ بلا روح…
أم مع قلةٍ تحمل السماء في قلوب مفعمة بالايمان؟
كربلاء اليوم تتكرر المأساة والمعنى
في عالمنا اليوم، تتبدل الأسماء… لكن الجوهر واحد:
طغيانٌ يملك السلاح
وأعلام هدى تملك الحق
وقضيةٌ تُذبح كل يوم أمام أعين العالم
لكن كربلاء تعود لتقول:
لا تنظر إلى عدد الرماح…
انظر إلى من يحمل الحقيقة.
لا تنظر إلى قوة الجيوش…
انظر إلى قوة المبدأ واخلاص الايمان
الحسين عليه السلام لا يموت
الحسين لم يُهزم يوم إرتقى شهيدًا…
بل انتصر يوم جعل الشهادة مدرسةً للحياة.
لم يُدفن في كربلاء…
بل وُلد في كل قلبٍ يرفض الذل.
وما زالت كلمته تمشي عبر الزمن، كأنها نارٌ لا تنطفئ: (هيهات منا الذلة)
كلمة ليست شعار بل دستور للأحرار في كل زمان
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
